الاثنين، 9 يوليو 2012
العائدون إلى الله مجموعة من قصص التائبين ، 2
العائدون إلى الله
مجموعة من قصص التائبين ، من مشاهير
وعلماء ودعاة وغيرهم يرونها بأنفسهم
جمعها
محمد بن عبدالعزيز المسند
المجموعة الثانية
(1) توبة المفكر سيد قطب رحمه الله( )
في قرية صغير في صعيد مصر ولد سيد قطب رحمه الله، ونشأ في أسرة متدينة متوسطة الثراء، وقد حرص والداه على تحفيظه القرآن الكريم في صغره، فما أتمّ العاشرة إلا وقد حفظه كاملاً ..
ولما بلغ التاسعة عشرة عاش فترة من الضياع، وصفها بنفسه بأنه كانت (فترة إلحاد) حيث قال: (ظللت ملحداً أحد عشر عاماً حتى عثرت على الطريق إلى الله، وعرفت طمأنينة الإيمان.
وفي سنة 1948م غادر سيد القاهرة متوجهاً إلى أمريكا في بعثة لوزارة المعارف آنذاك، فكانت تلك الرحلة هي بداية الطريق الجديد الذي هداه الله إليه، ووفقه لسلوكه والسير فيه.
كان سفره على ظهر باخرة عبرت به البحر المتوسط والمحيط الأطلسي... وهناك على ظهر الباخرة، جرت له عدة حوادث أثرت في حياته فيما بعد، وحددت له طريقه، ولذلك ما إن غادر الباخرة في الميناء الأمريكي الذي وصل إليه، وما إن وطئت قدماه أرض أمريكا حتى كان قد عرف طريقه، وحدد رسالته، ورسم معالم حياته في الدنيا الجديدة.
والآن… لنترك الحديث لسيد ليخبرنا عما حدث له على ظهر السفينة يقول:
(منذ حوالي خمسة عشر عاماً… كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام، على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك، من بين عشرين ومائة راكب وراكبة ليس فيهم مسلم.
وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة!
والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة، وحاول أن يزاول تبشيره معنا!
وقد يسر لنا قائد السفينة -وكان إنجليزياً- أن نقيم صلاتنا، وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها -وكلهم نوبيون مسلمون- أن يصلي منهم معنا من لا يكون في (الخدمة) وقت الصلاة.
وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة.
وقمت بخطبة الجمعة، وإمامة الصلاة، والركاب الأجانب معظمهم متحلقون، يرقبون صلاتنا!
وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح (القداس)!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا.
ولكن سيدة من هذا الحشد -عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية ( )هاربة من جحيم (تيتو) وشيوعيته- كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع، ولا تتمالك مشاعره… جاءت تشد على أيدينا بحرارة وتقول -في إنجليزية ضعيفة- إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه، وما فيها من خشوع، ونظام وروح… الخ ( )
وبعد ذلك كله… وفي ظلال هذه الحالة الإيمانية، راح سيد يخاطب نفسه قائلا:
(أأذهب إلى أمريكا وأسير فيها سير المبتعثين العاديين، الذين يكتفون بالأكل والنوم، أم لابدّ من التميز بسمات معينة؟!
وهل غير الإسلام والتمسك بآدابه، والالتزام بمناهجه في الحياة وسط المعمعان المترف المزوّد بكل وسائل الشهوة واللذة الحرام؟...)
قال: ورأيت أن أكون الرجل الثاني، (المسلم الملتزم)، وأراد الله أن يمتحنني هل أنا صادق فيما اتجهت إليه أم هو مجرد خاطرة؟!
وكان ابتلاء الله لي بعد دقائق من اختياري طريق الإسلام، إذ ما إن دخلتُ غرفتي حتى كان الباب يقرع… وفتحتُ… فإذا أنا بفتاة هيفاء جميلة، فارعة الطول، شبه عارية، يبدو من مفاتن جسمها كل ما يغري… وبدأتني بالإنجليزية قائلة: هل يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفة عنده هذه الليلة؟
فاعتذرتُ بأن الغرفة معدة لسرير واحد، وكذا السرير لشخص واحد… فقالت: وكثيراً ما يتسع السرير الواحد لاثنين!!
واضطررت أمام وقاحتها ومحاولتها الدخول عنوة لأن أدفع الباب في وجهها لتصبح خارج الغرفة، وسمعت ارتطامها بالأرض الخشبية في الممر، فقد كانت مخمورة… فقلت: الحمد لله… هذا أول ابتلاء… وشعرتُ باعتزاز ونشوة، إذ انتصرت على نفسي… وبدأت تسير في الطريق الذي رسمته لها( )…
ولقد واجه سيد رحمه الله ابتلاءات كثيرة بعد ذلك ولكنه تغلّب عليها وانتصر على نفسه الأمارة بالسوء!
ولما وصل إلى أمريكا، يحدثنا عما رأى فيقول: ولقد كنت -في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية- أرى رأي العين مصداق قول الله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مُبلسون). (سورة الأنعام الآية 44).
فإن المشهد الذي ترسمه الآية مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب، لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك!
وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه… وشعورهم بأنه وَقف على الرجل الأبيض… وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة، وفي وحشية كذلك بشعة… وفي صلف على أهل الأرض كلهم، كنتُ أرى هذا كله فأذكر هذه الآية… وأتوقع سنة الله… وأكاد أرى خطواتها وهي تدبّ إلى الغافلين( ).
وبعد سنتين قضاهما سيد في أمريكا، عاد رحمه الله إلى مصر… ولكنه عاد رجلاً آخر… رجلاً مؤمناً ملتزماً صاحب رسالة ودعوة وغاية.
رحم الله سيداً وأسكنه فسيح جناته وعفا عنا وعنه.
(2) توبة الشرطيين شهدا إعدام سيد قطب رحمه الله ( )
إن في بذل العلماء والدعاة والمصلحين أنفسهم في سبيل الله حياة للناس، إذا علموا صدقهم؛ وإخلاصهم لله عز وجلّ.
ومن هؤلاء الدعاة والمفكرين.. (سيد قطب) رحمه الله، فقد كان لمقتله أثر بالغ في نفوس من عرفوه وعلموا صدقه، ومنهم اثنان من الجنود الذين كُلفّوا بحراسته وحضروا إعدامه.
يروي أحدهما القصة فيقول:
هناك أشياء لم تكن نتصورها هي التي أدخلت التغيير الكلي على حياتنا..
في السجن الحربي كنا نستقبل كل ليلة أفراداً أو مجموعات من الشيوخ والشباب والنساء، ويقال لنا: هؤلاء من الخونة الذين يتعاونون مع اليهود ولابدّ من استخلاص أسرارهم.. ولا سبيل إلى ذلك إلا بأشدّ العذاب. وكان ذلك كافياً لتمزيق لحومهم بأنواع السياط والعصي.. كنا نفعل ذلك ونحن مُوقنون إننا نؤدي واجباً مقدّساً… إلا أننا ما لبثنا أن وجدنا أنفسنا أمام أشياء لم نستطع لها تفسيراً، لقد رأينا هؤلاء (الخونة)، مواظبين على الصلاة أثناء الليل وتكاد ألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله حتى عند البلاء.
بل إن بعضهم كان يموت تحت وقع السياط، أو أثناء هجوم الكلاب الضارية عليهم، وهو مبتسمون على الذكر.
ومن هنا… بدأ الشك يتسرب إلى نفوسنا… فلا يعقل أن يكون مثل هؤلاء المؤمنين الذاكرين من الخائنين المتعاملين مع أعداء الله.
واتفقتُ أنا وأخي هذا سراً على أن نتجنب إيذائهم ما وجدنا إلى ذلك سبيلا. وأن نقدم لهم كل ما نستطيع من العون.
ومن فضل الله علينا أن وجودنا في ذلك السجن لم يستمر طويلاً… وكان آخر ما كُلفنا به من عمل هو حراسة الزنزانة التي أفرد فيها أحدهم وقد وصفوه لنا بأنه أخطرهم جميعاً، أو أنه رأسهم المفكر وقائدهم المدبر ( )
وكان قد بلغ به التعذيب إلى حد لم يعد قادراً معه على النهوض، فكانوا يحملونه إلى المحكمة العسكرية التي تنظر في قضيته.
وذات ليلة جاءت الأوامر بإعداده للمشنقة، وأدخلوا عليه أحد الشيوخ!!! ليذكره ويعظه!!! وفي ساعة مبكرة من الصباح التالي، أخذت أنا وأخي بذراعيه نقوده إلى السيارة المغلقة التي سبقنا إليها بعض المحكومين الآخرين… وخلال لحظات انطلقت بنا إلى مكان الإعدام… ومن خلفنا بعض السيارات العسكرية تحمل الجنود المدججين بالسلاح للحفاظ عليهم…
وفي مثل لمح البصر أخذ كل جندي مكانه المرسوم محتضناً مسدسه الرشاش، وكان المسئولون هناك قد هيئوا كل شيء… فأقاموا من المشانق مثل عدد المحكومين… وسيق كل منهم إلى مشنقة المحددة، ثم لفّ حبلها حول عنقه، وانتصب بجانب كل واحدة (العشماوي) الذي ينتظر الإشارة لإزاحة اللوح من تحت قدمي المحكوم.. ووقف تحت كل راية سوداء الجندي المكلف برفعها لحظة التنفيذ.
كان أهيب ما هنالك تلك الكلمات التي جعل يوجهها كل من هؤلاء المهيئين للموت إلى إخوانه، يبشره بالتلاقي في جنة الخلد، مع محمد وأصحابه، ويختم كل عبارة الصيحة المؤثرة: الله أكبر والله الحمد.
في هذه اللحظات الرهيبة سمعنا هدير سيارة تقترب، ثم لم تلبث أن سكت محركها، وفتحت البوابة المحروسة، ليندفع من خلالها ضابط من ذوي الرتب العالية، وهو يصيح بالجلادين: مكانكم!
ثم تقدم نحو صاحبنا الذي لم نزل إلى جواره على جانبي المشنقة، وبعد أن أمر الضابط بإزالة الرباط عن عينه، ورفع الحبل عن عنقه، جعل يكلمه بصوت مرتعش:
يا أخي.. سيد.. إني قادم إليك بهدية الحياة من الرئيس الحليم الرحيم، كلمة واحدة تدليها بتوقيعك، ثم تطلب ما تشاء لك ولإخوانك هؤلاء.
ولم ينتظر الجواب، وفتح الكراس الذي بيده وهو يقول: اكتب يا أخي هذه العبارة فقط: (لقد كنت مخطئاً وإني أعتذر...).
ورفع سيد عينه الصافيتين، وقد غمرت وجهه ابتسامة لا قدرة لنا على وصفها.. وقال للضابط في هدوء عجيب: أبداً.. لن أشتري الحياة الزائلة بكذبة لن تزول!
قال الضابط بلهجة يمازجها الحزن... ولكنه الموت يا سيد.
وأجاب سيد: (يا مرحباً بالموت في سبيل الله..)، الله أكبر!! هكذا تكون العزة الإيمانية، ولم يبق مجال للاستمرار في الحوار، فأشار الضابط للعشماوي بوجوب التنفيذ.
وسرعان ما تأرجح جسد سيد رحمه الله وإخوانه في الهواء... وعلى لسان كل منهم الكلمة التي لا نستطيع لها نسياناً، ولم نشعر قط بمثل وقعها في غير ذلك الموقف، (لا إله إلا الله، محمد رسول الله...)
وهكذا كان هذا المشهد سبباً في هدايتنا واستقامتنا، فنسأل الله الثبات.
(3) توبة المغني البريطاني المشهور (كات ستيفنز ) ( )
رفض كل مغريات الدنيا بكل شهرتها وشهواتها، هرب من هجير هذا العالم إلى وهج الإيمان، فوجد فيه الهناء والطمأنينة… إنها قصة الفنان البريطاني الذي ضربت شهرته الآفاق، (كات ستيفنـز)، الذي أصبح اسمه فيما بعد (يوسف إسلام). ها هو يرويها بنفسه في هذه السطو البليغة التعبير، البالغ التأثير فيقول:
(ولدتُ في لندن قلب العالم الغربي...
ولدتُ في عصر التلفزيون وارتياد الفضاء..
ولدتُ في عصر وصلتْ فيه التكنولوجيا إلى القمة في بلد معروف بحضارته في بريطانيا.. ترعرعتْ في هذا المجتمع، وتعلمت في مدرسة (كاثوليكية)، حيث علمتنْي المفهوم المسيحي (النصراني)، للحياة والعقيدة، وعرفت ما يفترض أن أعرفه عن الله، وعن المسيح (عليه السلام)، والقدر والخير والشر.
حدثوني كثيراً عن الله، وقليلاً عن المسيح، وأقلّ من ذلك عن الروح القدس.
كانت الحياة حولي ماديّة تنصبُّ من كل أجهزة الإعلام، حيث كانوا يعلموننا بأن الغنى هو الثروة الحقيقية، والفقر هو الضياع الحقيقي، وأن الأمريكي هو المثل للغنى، والعالم الثالث هو المثل للفقر والمجاعة والجهل والضياع!!
ولذلك لابدّ أن أختار طريق الغنى، وأسلك مسلكه، لأعيش حياة سعيدة، وأفوز بنعيم الحياة، ولهذا فقد بنيت فلسفة الحياة على ألا علاقة لها بالدين، وانتهجت هذه الفلسفة، لأدرك سعادة النفس.
وبدأت أنظر إلى وسائل النجاح، وكانت أسهل طريقة أن أشتري (جيتاراً)، وأؤلف بعض الأغاني، وألحنها، وأنطلق بين الناس، وهذا ما فعلته بالفعل باسم (كات ستيفنـز).
وخلال فترة قصيرة حيث كنت في الثامنة عشرة من عمري، كان لي ثمانية شرائط مسجلة، وبدأت أقدم الكثير من العروض، وأجمع الكثير من المال حتى وصلت إلى القمة!!
وعندما كنتُ في القمة، كنت أنظر إلى أسفل، خوفاً من السقوط!! وبدأ القلق ينتابني، وبدأت أشرب زجاجة كاملة في كل يوم، لأستجمع الشجاعة كي أغني، كنت أشعر أن الناس حولي يلبسون أقنعة، ولا أحد يكشف عن وجهه القناع -قناع الحقيقة!!
كان لابدّ من النفاق، حتى تبيع وتكسب -وحتى تعيش!!
وشعرت أن هذا ضلال، وبدأت أكره حياتي واعتزلت الناس وأصابني المرض، فنقلتُ إلى المستشفى مريضاً بالسل، وكانت فترة المستشفى خيراً لي حيث إنها قادتني إلى التفكير.
كان عندي إيمان بالله، ولكن الكنيسة لم تعرّفني ما هو الإله، وعجزت عن إيصال حقيقة هذا الإله الذي تتحدث عنه!!
كانت الفكرة غامضة وبدأت أفكر في طريقي إلى حياة جديدة، وكان معي كتب عن العقيدة والشرق، وكنت أبحث عن السلام والحقيقة، وانتابني شعور أن أتجه إلى غاية مّا، ولكن لا أدرك كنهها ولا مفهومها.. ولم أقتنع أن أظل جالساً خالي الذهن، بل بدأت أفكر وأبحث عن السعادة التي لم أجدها في الغنى، ولا في الشهرة، ولا في القمة، ولا في الكنيسة، فطرقت باب (البوذية والفلسفة الصينية)، فدرستها، وظننت أن السعادة هي أن تتنبأ بما يحدث في الغد حتى تتجنب شروره، فصرت قدريّاً، وآمنت بالنجوم، والتنبؤ بالطالع، ولكنني وجدت ذلك كله هُراء.
ثم انتقلت إلى الشيوعية، ظنّاً مني أن الخير هو أن نقسم ثروات هذا العالم على كل الناس، ولكنني شعرت أن الشيوعية لا تتفق مع الفطرة، فالعدل أن تحصل على عائد مجهودك، ولا يعود إلى جيب شخص آخر.
ثم اتجهت إلى تعاطي العقاقير المهدئة، لأقطع هذه السلسلة القاسية من التفكير والحيرة.
وبعد فترة أدركت أنه ليست هناك عقيدة تعطيني الإجابة، وتوضح لي الحقيقة التي أبحث عنها، ويئست حيث لم أكن آنذاك أعرف شيئاً عن الإسلام، فبقيت على معتقدي، وفهمي الأول، الذي تعلمته من الكنيسة حيث أيقنت أن هذه المعتقدات هراء، وأن الكنيسة قليلاً منها.
عدت إليها ثانيةً وعكفت من جديد على تأليف الموسيقي، وشعرت أنها هي ديني، ولا دين لي سواها!!
وحاولت الإخلاص لهذا الدين، حيث حاولت إيجاد التأليف الموسيقي، وانطلاقاً من الفكر الغربي المستمد من تعاليم الكنيسة الذي يوحي للإنسان أنه قد يكون كاملاً كالإله إذا أتقن عمله أو أخلص له وأحبه!!
وفي عام 1975م حدثت المعجزة، بعد أن قدّم لي شقيقي الأكبر نسخة من القرآن الكريم هدية، وبقيت معي هذه النسخة حتى زرت القدس في فلسطين، ومن تلك الزيارة بدأت أهتم بذلك الكتاب الذي أهدانيه أخي، والذي لا أعرف ما بداخله وماذا يتحدث عنه، ثم بحثت عن ترجمة للقرآن الكريم بعد زيارتي للقدس، وكان المرة الأولى التي أفكر فيها عن الإسلام، فالإسلام في نظر الغرب يُعتبر عنصريا عرقياً والمسلمون أغراب أجانب سواء كانوا عرباً أو أتراكاً، ووالديّ كانا من أصل يوناني، واليوناني يكره التركي المسلم، لذلك كان المفروض أن أكره القرآن الذي يدين به الأتراك بدافع الوراثة، ولكني رأيت أن أطلع عليه -أي على ترجمته- فلا مانع من أن أرى ما فيه.
ومن أول وهلة شعرت أن القرآن يبدأ بـ (بسم الله) وليس باسم غير الله، وعبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) كانت مؤثرة في نفسي، ثم تستمر فاتحة الكتاب: (الحمد لله رب العالمين،) كل الحمد لله خالق العالمين، ورب المخلوقات.
وحتى ذلك الوقت كانت فكرتي ضئيلة عن الإله، حيث كانوا يقولون لي: إن الله الواحد، مقسم إلى ثلاثة، كيف؟!! لا أدري.
وكانوا يقولون لي إن إلهنا ليس إله اليهود...!!
أما القرآن الكريم، فقد بدأ بعبادة الله الواحد رب العالمين جميعاً، مؤكداً وحدانية الخالق، فليس له شريك يقتسم معه القوة، وهذا أيضاً مفهوم جديد، ثم كنت أفهم قبل معرفتي بالقرآن الكريم، أن هناك مفهوم الملائمة والقوى القادرة على المعجزات، أما الآن فبمفهوم الإسلام، الله وحده هو القادر على كل شيء.
واقترن ذلك بالإيمان باليوم الآخر وأن الحياة الآخرة خالدة، فالإنسان ليس كتلة من اللحم تتحول يوماً ما إلى رماد كما يقول علماء الحياة.. بل ما تفعله في هذه الحياة يحدد الحالة التي ستكون عليها في الحياة الآخرة.
القرآن هو الذي دعاني للإسلام، فأجبت دعوته، أما الكنسية التي حطمتني وجلبتْ لي التعاسة والعناء فهي التي أرسلتْني لهذا القرآن، عندما عجزت عن الإجابة على تساؤلات النفس والروح.
ولقد لاحظت في القرآن، شيئاً غريباً، هو أنه لا يشبه باقي الكتب، ولا يتكوّن من مقاطع وأوصاف تتوافر في الكتب الدينية التي قرأتها، ولم يكن على غلاف القرآن الكريم اسم مؤلف، ولهذا أيقنت بمفهوم الوحي الذي أوحى الله به إلى هذا النبي المرسل.
لقد تبين لي الفارق بينه وبين الإنجيل الذي كتب على أيدي مؤلفين مختلفين من قصص متعددة.
حاولت أن أبحث عن أخطاء في القرآن الكريم، ولكني لم أجد، كان كله منسجماً مع فكرة الوحدانية الخالصة ( ).
وبدأت أعرف ما هو الإسلام.
لم يكن القرآن رسالة واحدة، بل وجدت فيه كل أسماء الأنبياء الذين شرفهم وكرمهم الله ولم يفرق بين أحد منهم، وكان هذا المفهوم منطقياً، فلو أنك آمنت بنبي دون آخر فإنك تكون قد دمرت وحدة الرسالات.
ومن ذلك الحين فهمتُ كيف تسلسلت الرسالات منذ بدء الخليفة، وأن الناس على مدى التاريخ كانوا صنفين: إما مؤمن، وإما كافر.
لقد أجاب القرآن على كل تساؤلاتي، وبذلك شعرت بالسعادة، سعادة العثور على الحقيقة.
وبعد قراءة القرآن الكريم كله، خلال عام كامل، بدأت أطبق الأفكار التي قرأتها فيه، فشعرت في ذلك الوقت أنني المسلم الوحيد في العالم.
ثم فكرتُّ كيف أكون مسلماً حقيقياً؟ فاتجهت إلى مسجد لندن، وأشهرت إسلامي، وقلت (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله).
حين ذلك أيقنت أن الإسلام الذي اعتنقته رسالة ثقيلة، وليس عملاً سهلاً ينتهي بالنطق بالشهادتين.
لقد ولدتُّ من جديد! وعرفتُ إلى أين أسير مع إخواني من عباد الله المسلمين، ولم أقابل أحداً منهم من قبل، ولو قابلت مسلماً يُحاول أن يدعوني للإسلام لرفضت دعوته بسبب أحوال المسلمين المزرية، وما تشوهه أجهزة إعلامنا في الغرب، بل حتى أجهزة الإعلام الإسلامية كثيراً ما تشوه الحقائق الإسلامية، وكثيراً ما تقف وتؤيد افتراءات أعداء الإسلام، العاجزين عن إصلاح شعوبهم التي تدمرها الآن الأمراض الأخلاقية، والاجتماعية وغيرها!!
لقد اتجهتُ للإسلام من أفضل مصادره، وهو القرآن الكريم، ثم بدأت أدرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه بسلوكه وسننه، علّم المسلمين الإسلام، فأدركت الثروة الهائلة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسننه، لقد نسيت الموسيقى، وسألت إخواني: هل أستمر؟ فنصحوني بالتوقف، فالموسيقى تشغل عن ذكر الله، وهذا خطر عظيم.
لقد رأيت شاباً يهجرون أهلهم، ويعيشون في جو الأغاني والموسيقى، وهذا لا يرضاه الإسلام، الذي يحث على بناء الرجال.
أما الملايين التي كسبتها من عملي السابق (وهو الغناء) فوهبتها كلها للدعوة الإسلامية). هذه هي قصة المغني البريطاني المشهور، كات ستيفنز (يوسف إسلام) الذي رفض الشهرة والملايين، بعد أن هداه الله إلى طريق الحق، نهديها إلى جميع الفنانين والمغنين في عالمنا العربي والإسلامي، بل في العالم أجمع، لعلها تكون عبرة للمعتبرين، وذكرى للذاكرين.
(4) توبة الممثلة هناء ثروت)( )
هناء ثروت ممثلة مشهورة، عاشت في (العفن الفني) فترة من الزمان، ولكنها عرفت الطريق بعد ذلك فلزمته، فأصبحت تبكي على ماضيها المؤلم.
تروي قصتها فتقول:
أنهيت أعمالي المنزلية عصر ذلك اليوم، وبعد أن اطمأننت على أولادي، وقد بدءوا في استذكار دروسهم، جلست في الصالة، وهممت بمتابعة مجلة إسلامية حبيبة إلى نفسي، ولكن شيئاً ما شد انتباهي، أرهفت سمعي لصوتٍ ينبعث من إحدى الغرف. وبالذات من حجرة ابنتي الكبرى، الصوت يعلو تارة ويغيب بعيداً تارةً أخرى.
نهضت بتعجل لأستبين الأمر، ثم عدت إلى مكاني باسمة عندما رأيت صغيرتي ممسكة بيدها مجلداً أنيقاً تدور به الغرفة فرحة، وهي تلحّن ما تقرأ، لقد أهدتْها إدارة المدرسة ديوان (أحمد شوقي)، لتفوقها في دراستها، وفي لهجة طفولية مرحة كانت تردد:
خـدعوها بقـولهـم حسنــاء والغـواني يغـرهـن الثنــــاء
لا أدري لماذا أخذت ابنتي في تكرار هذا البيت، لعله أعجبها.. وأخذتُ أردده معها، وقد انفجرتْ مدامعي تأثراً وانفعالاً. أناملي الراعشة تضغط بالمنديل الورقي على الكرات الدمعية المتهطلة كي لا تفسد صفحات اعتدت تدوين خواطري وذكرياتي في ثناياها، وصوت ابنتي لا يزال يردد بيت شوقي:
(خدعوها)؟!
نعم، لقد مُورستْ عليّ عمليات خداع، نصبتها أكثر من جهة.
تعود جذور المأساة إلى سنوات كنتُ فيها الطفلة البريئة لأبوين مسلمين، كان من المفروض عليهما استشعار المسئولية تجاه وديعة الله لديهما -التي هي أنا- بتعهدي بالتربية وحسن التوجيه وسلامة التنشئة، لأغدو بحق مسلمة كما المطلوب، ولكن أسأل الله أن يعفو عنهما.
كانا منصرفين، كل واحد منهما لعمله، فأبي -بطبيعة الحال- دائماً خارج البيت في كدح متواصل تاركاً عبء الأسرة لأمي التي كانت بدورها موزعة الاهتمامات ما بين عملها الوظيفي خارج المنزل وداخله، إلى جانب تلبية احتياجاتها الشخصية والخاصة، وبالطبع لم أجد الرعاية والاعتناء اللازمين حتى تلقفتني دور الحضانة، ولمّا أبلغ الثالثة من عمري.
كنت أعيش في قلق وتوتر وخوف من كل شيء، فانعكس ذلك على تصرفاتي الفوضوية الثائرة في المرحلة الابتدائية في محاولة لجذب الانتباه إلى شخصي المهمل (أُسريّاً) بيد أن شيئاً ما أخذ يلفت الأنظار إلي بشكل متزايد.
أجل، فقد حباني الله جمالاً، ورشاقة، وحنجرة غريدة، جعلت معلمة الموسيقى تلازمني بصفة شبه دائمة، تستعيدني الأدوار الغنائية -الراقصة منها والاستعراضية- التي أشاهدها في التلفاز، حتى عدوت أفضل من تقوم بها في الحفلات المدرسية، ولا أزال أحتفظ في ذاكرتي بأحداث يوم كُرّمتُ فيه لتفوقي في الغناء والرقص والتمثيل على مستوى المدارس الابتدائية في بلدي، احتضنتني (الأم ليليان)، مديرة مدرستي ذات الهوية الأجنبية، وغمرتني بقبلاتها قائلة لزميلة لها فقد نجحنا في مهمتنا، إنها -وأشارت إليّ- من نتاجنا، وسنعرف كيف نحافظ عليها لتكمل رسالتنا!! ( )
لقد صور لي خيالي الساذج آنذاك أني سأبقى دائماً مع تلك المعلمة وهذه المديرة، وأسعدني أن أجد بعضاً من حنان افتقدته، وإن كنت قد لاحظتُ أن عطفهما من نوع غريب، تكشفت لي أبعاده ومراميه بعدئذ، وأفقت على حقيقة هذا الاهتمام المستورد!!
صراحة، لا أستطيع نكران مدى غبطتي في تلك السنين الفائتة، وأنا أدرج من مرحلة لأخرى، خاصة بعد أن تبناني أحد مخرجي الأفلام السينمائية كفنانة (!!) دائماً وسط اهتمام إعلامي كبير بي!
كما أخذت تفخر أمي بابنتها الموهوبة (!!) أمام معارفها، وصويحباتها، وتكاد تتقافز سروراً وهي تملي صوري على شاشة التلفاز، جليسها الدائم.
كانت تمتلكني نشوة مكسرة، وأنا أرفل في الأزياء الفاخرة والمجوهرات النفيسة والسيارات الفارهة، كانت تطربني المقابلات، والتعليقات الصحفية، ورؤية صوري الملونة، وهي تحتل أغلفة المجلات، وواجهات المحلات، حتى وصل بي الأمر إلى أن تعاقد معي متعهدو الإعلانات والدعايات، لاستخدام اسمي -اسمي فقط- لترويج مستحضراتهم وبضائعهم!
كانت حياتي بعمومها موضع الإعجاب والتقليد في أوساط المراهقات، وغير المراهقات على السواء، وبالمقابل كان تألقي هذا موطن الحسد والغيرة التي شب أوارها في نفوس زميلات المهنة -إن صح التعبير- وبصورة أكثر عند من وصل بهن قطار العمر إلى محطات الترهل، والانطفاء، وقد أخفقت عمليات التجميل في إعادة نضارة شبابهن، فانصرفن إلى تعاطي المخدرات، ولم يتبق من دنياهن سوى التشبث بهذه الأجواء العطنة، وقد لُفظْن كبقايا هياكل ميتة في طريقها إلى الزوال.
قد تتساءل صغيرتي: وهل كنت سعيدة حقاً يا أمي؟!!
ابنتي الحبيبة لا تدري بأني كنت قطعة من الشقاء والألم، فقد عرفتُ وعشت كل ما يحمل قاموس البئوس والمعاناة من معانٍ وأحداث( )!
إنسانة واحدة عاشت أحزاني، وترفقت بعذاباتي رحلة الشقاء (المبهرجة)، وعلى الرغم من أنها شقيقة والدتي إلا أنها تختلف عنها في كل شيء، ويكفيها أنها امرأة فاضلة، وزوجة مؤمنة، وأم صالحة.
كنتُ ألجأ إليها بين الحين والآخر، أتزود من نصائحها وأخضع لتحذيراتها، وأرتضي وسائلها لتقويم اعوجاجي، وهي تحاول فتح مغاليق قلبي ومسارب روحي بكلماتها القوية ومشاعرها الحانية، ولكن -والحق يُقال- كان شيطاني يتغلب على الجانب الطيب الضئيل في نفسي لقلة إيماني، وضعف إرادتي، وتعلقي بالمظاهر، وعلى الرغم من هذا العالم لم يكن بالمستطاع إسكات الصوت الفطري الصاهل، المنبعث في صحراء قلبي المقرور.
بات مألوفاً رؤيتي ساهمة واجمة، وقد أصبحتُ دمية يلهو بها أصحاب المدارس الفكرية -على اختلال انتماءاتها العقائدية- لترويج أغراضهم ومراميهم عن طريق أمثالي من المخدوعين والمخدوعات، واستبدالنا بمن هم أكثر إخلاصاً، أو إذا شئت (عمالة)، في هذا الوسط الخطر، والمسئول عن الكثير من توجهات الناس الفكرية.
وجدت نفسي شيئاً فشيئاً أسقط في عزلة نفسية قائظة، زاد عليها نفوري من أجواء الوسط الفني -كما يُدعى- !! معرضة عن جلساته وسهراته الصاخبة التي يُرتكب فيها الكثير من التفاهات والحماقات باسم الفن أو الزمالة!!
لم يحدث أن أبطلت التعامل مع عقلي في ساعات خلوتي نفسي، وأنا أحاول تحديد الجهة المسئولة عن ضياعي وشقائي، أهي التربية الأسرية الخاطئة؟ أم التوجيه المدرسي المنحرف؟ أم هي جناية وسائل الإعلام؟ أم كل ذلك معاً؟!!
لقد توصلت -أيامها- إلى تصميم وعزم يقتضي تجنيب أولادي -مستقبلاً- ما ألقاه من تعاسة مهما كان الثمن غالياً إذ يكفي المجتمع أني قُدمت ضحية على مذبح الإهمال والتآمر والشهوات، أو كما تقول خالتي: على دين الشيطان.
وفجأة، التقينا على غير ميعاد.
كان مثلي، دفعته نزوات الشباب -كما علمت بعدئذ- إلى هذا الوسط ليصبح نجماً! -وعذراً فهذه اصطلاحاتنا آنذاك- ومع ذلك كان يفضل تأدية الأدوار الجادة -ولو كانت ثانوية- نافراً من التعامل مع الأدوار النسائية.
ومرة احتفلت الأوساط الفنية والإعلامية بزيارة أحد مشاهير (هوليوود) لها، واضطررت يومها لتقديم الكثير من المجاملات التي تحتمها مناسبة كهذه!!، وانتهزت فرصة تبادل الأدوار وتسللت إلى مكان هادئ لالتقاط أنفاسي، لمحته جالساً في مكان قريب مني، شجعني صمته الشارد أن أقتحم عليه عزلته.
سألته -بدون مقدمات- عن رأيه في المرأة لأعرف كيف أبدأ حديثي معه.
أجابني باقتضاب أن الرجل رجل، والمرأة امرأة، ولكل مكانه الخاص، وفق طبيعته التي خلق عليها.
استرسلت في التحادث معه، وقد أدهشني وجود إنسان عاقل في هذا الوسط!… ٍفهمت من كلامه أنه سيضحي -غير آسف- بالثراء والشهرة المتحصلين له من التمثيل، وسيبحث عن عمل شريف نافع، يستعيد فيه رجولته وكرامته.
لحظتها قفز إلى خاطري سؤال عرفت الحياء الحقيقي وأنا أطرحه عليه.
لم يشأ أن يحرجني يومها، ولكن مما وعيت من حديثه قوله: ]إذا تزوجت فتكون زوجتي أمّاً وزوجاً بكل معنى الكلمة، فاهمة مسئولياتها وواجباتها، وستكون لنا رسالة نؤديها نحو أولادنا لينشئوا على الفضيلة والاستقامة، كما أمر الله، بعيداً عن المزالق والمنعطفات، وقد عرفت مرارة السقوط وخبرت تعاريج الطريق[.
وقال كلاماً أكثر من ذلك: أيقظ فيّ الصوت الفطري الرائق، يدعوني إلى معراج طاهر من قحط القاع الزائف إلى نور الحق الخصيب وأحسستُ أني أمام رجل يصلح لأن يكون أباً لأولادي، على خلاف الكثير ممن التقيتُ، ورفضت الاقتران بهم.
وبعد فترة، شاء الله وتزوجنا.
وكالعادة كان زواجنا قصة الموسم في أجهزة الإعلام المتعددة، حيث تعيش دائماً على مثل هذه الأخبار.
ولكن المفاجأة التي أذهلت الجميع كانت بإعلاننا -بعد زيارتنا للأراضي المقدسة-عن تطليق حياة الفراغ والضياع والسوء، وأني سألتزم بالحجاب، وسائر السلوكيات الإسلامية المطلوبة إلى جانب تكريس اهتمامي لمملكتي الطاهرة -بيتي المؤمن- لرعاية زوجي وأولادي طبقاً لتعاليم الله ورسوله.
أما زوجي فقد أكرمه الله بحسن التفقه في دينه، وتعليم الناس في المسجد.
أولادي الأحباء لم يعرفوا بعد أن أباهم في عمامته، وأمهم في جلبابها، كانا ضالين فهداهما الله، وأذاقهما حلاوة التوبة والإيمان.
خالتي المؤمنة ذرفت دموعها فرحة، وهي ترى ثمرة اهتمامها بي في الأيام الخوالي، ولا تزال الآن تحتضنني كما لو كنت صغيرة، وتسأل الله لي الصبر والثبات أمام حملات التشهير والنكاية التي استهدفت إغاظتي بعرض أفلامي السافرة التي اقترفتها أيام جاهليتي، على أن أعاود الارتكاس في ذاك الحمأ اللاهب وقد نجاني الله منه.
ومن المضحك أن أحد المنتجين، عرض على زوجي أن أقوم بتمثيل أفلام، وغناء أشعار، يلصقون بها مسمى (دينية) !!!( ) ولا يعلم هؤلاء المساكين أن إسلامي يربأ بي عن مزاولة ما يخدش كرامتي أو ينافي عقيدتي.
نعم، لقد كانت هجرتي لله، وإلى الله، وعندما تكبر براعمي المؤمنة، سيدركون إن شاء الله لِمَ وكيف كنت؟! وتندفع صغيرتي إلى حجري بعد الاستئذان، وأراها تضع بين يديّ الديوان، تسألني بلهجة الواثق من نفسه أن أتابع ما حفظت من قصيد، وقيل أن أثبت بصري على الصفحة المطلوبة، اندفعتْ في تسميعها:
خـدعوها بقـولهـم حسنــاء والغـواني يغـرهـن الثنــــاء
(5) توبة الراقصة هالة الصافي ( )
روت الفنانة الراقصة، المعروفة، هالة الصافي، قصة اعتزالها الفن وتوبتها، والراحة النفسية التي وجدتها عندما عادت إلى بيتها وحياتها، وقالت: بأسلوب مؤثر عبر لقاء صحفي معها:
(في أحد الأيام كنت أؤدي رقصة في أحد فنادق القاهرة المشهورة، شعرت وأنا أرقص بأنني عبارة عن جثة،، دمية تتحرك بلا معنى، ولأول مرة أشعر بالخجل وأنا شبه عارية، أرقص أمام الرجال ووسط الكؤوس.
تركت المكان، وأسرعت وأنا أبكي في هستيريا حتى وصلت إلى حجرتي وارتديت ملابسي.
انتابني شعور لم أحسه طيلة حياتي مع الرقص الذي بدأته منذ كان عمري 15 سنة، فأسرعت لأتوضأ وصليت، وساعتها شعرت لأول مرة بالسعادة والأمان، ومن يومها ارتديت الحجاب على الرغم من كثرة العروض، وسخرية البعض.
أديت فريضة الحج، ووقفت أبكي لعل الله يغفر لي الأيام السوداء..).
وتختتم قصتها المؤثرة قائلة: (هالة الصافي ماتت ودفن معها ماضيها، أما أنا فاسمي سهير عابدين، أم كريم، ربة بيت، أعيش مع ابني وزوجي، ترافقني دموع الندم على أيام قضيتها من عمري بعيداً عن خالقي الذي أعطاني كل شيء.
إنني الآن مولودة جديدة، أشعر بالراحلة والأمان بعد أن كان القلق والحزن صديقي، بالرغم من الثراء والسهر واللهو).
وتضيف: (قضيت كل السنين الماضية صديقة للشيطان، لا أعرف سوى اللهو الرقص، كنت أعيش حياة كريهة حقيرة، كنت دائماً عصبية، والآن أشعر أنني مولودة جديدة، أشعر أنني في يد أمينة تحنو علي وتباركني، يد الله سبحانه وتعالى).
(6) توبة شاب أسرف على نفسه بالمعاصي( )
ضيفنا هذه المرة شاب له قصة طويلة، لم يدع معصية إلا فعلها، ولا كبيرة إلا ارتكبها، كل ذلك بحثاً عن السعادة، ولكنه لم يجد إلا الشقاء والتعاسة.
أغلقت في وجهه جميع الأبواب إلا باب واحد، باب الله الذي لا يُغلق. فلجأ إلى الله وعاد إليه، وهنا وجد السعادة التي كان يبحث عنها، التقيت به فحدثني بقصته فقال:
نشأت في بيت (عادي) من بيوت المسلمين، وكنت أصلي الصلاة المعتادة، أرى الناس يذهبون إلى المسجد فأذهب معهم، ولم أكن -لصغر سني- أدرك قيمة الصلاة وأهميتها.
ولما كبرت قليلاً اشترى لي والدي سيارة -وكنت آنذاك في بداية المرحلة الثانوية- فكانت بداية الانطلاق.
وجاء دور رفقاء السوء، ليقضوا على ما تبقى لديّ من خير وفضيلة وصلاح!! فقد تعرفتُ على مجموعة منهم، وكنتُ الوحيد من بينهم الذي يملك سيارة، فتوليتُ القيادة، وكنت أغدو بهم وأروح، فصار كل واحد منا يظهر ما يوحي به إليه شيطانه من الأفكار والابتكارات، في فن الاختطاف والمخدرات، وغيرها من الفنون... فبدأت شيئاً فشيئاً أتعلم هذه الأمور.
انتقلنا من الحي الذي كنا فيه، إلى حي آخر، وهناك وجدتُّ مجموعةً أخرى من الشباب فتسلمت القيادة أيضاً، فما تركتُ معصية إلا ارتكبتها ابتداءً من المعاصي الصغيرة وانتهاءً بالمخدرات والمسكرات حتى وصل بنا الحال بحثاً عن شرب الخمور في نهار رمضان، كنا نفعل ذلك كله بحثاً عن السعادة الموهومة.
كنتُ من أشد الناس عداوةً وبغضاً للملتزمين الطيبين، وكان في الحارة رجل يقال له: (عبد الواحد) كنتُ أشد الناس عداوةً له، لأنه كان من المجتهدين في نصح الشباب في (الحارة)، فكان هدفنا هو إيذاء هذا الرجل، وقد حاولنا كثيراً ولكن لم نجد إلى ذلك سبيلاً.
مرّتْ أعوام طويلة، وأنا على هذه الحال، بين المخدرات والمشكلات الأخلاقية، وغيرها حتى أني تركتُ الدراسة واتجهتُ إلى العمل، فإذا جاء آخر الشهر وتسلمتُ راتبي صرفته كله في المخدرات.
وبعد فترة، منّ الله على أخي الأصغر بالهداية، فكان قدوة لنا في البيت في حسن التعامل، كنا نضايقه ونهدده!! ونحذره! من مصاحبة عبد الواحد وغيره من الشباب الطيبين، بل كنا نمنعه من تطبيق بعض شعائر الإسلام الظاهرة كإعفاء اللحية، وتقصير الثياب، فكان يُقابل إساءتنا هذه بالإحسان، ويردّ علينا بكلمات طيبة مثل (إن شاء الله) و(جزاكم الله خيراً) ونحوها، فبدأتُ أشعر بارتياح نحوه لحسن معاملته، وكانت هذه بداية التحول.
ثم جاء بعد ذلك دور الشيخ عبد الواحد، فقد كان يجتهد في نصحنا، ويكثر من ذلك، فكنا نثير عليه المشكلات، ونحاول تشويه سمعته، واتهامه بما هو منه براء كذباً وبهتاناً.
وفي يوم من الأيام أشار علي بعض الزملاء -وكان ذلك في بداية التزامه- أن نذهب إلى مكة لأداء العمرة، وبعد رجوعنا من العمرة كنتُ أنا وأصحابي مجتمعين في أحد الشوارع، فمرّ بنا الشيخ عبد الواحد بسيارته، فأخذنا نسبّه ونشتمه ونطلق عليه الألفاظ البذيئة فوقف، ثم عاد إلينا فقلنا هذه فرصة فلابدّ من ضربه والقضاء عليه، فنزل الشيخ من سيارته، وبادر قائلاً: السلام عليكم، ثم أقبل عليّ وعانقني وضمني إلى صدره وقال: (الحمد لله على السلامة وتقبل الله منا ومنك، ما شاء الله، أخذت عمرة؟..).. فخجلتُ خجلاً شديداً، وتغيرتْ ملامح وجهي، ثم سلّم على بقية الأصحاب، وسألهم عن أحوالهم، وكأنه لم يسمع كلمةً واحدةً مما قلناه، ومضى في طريقه، فأخذنا نتلاوم، وكل واحد منا يقول للأخر: أنت السبب، ومن تلك اللحظة بدأنا نهتم بهذا الرجل ونقدره، ونحترمه، وتغيرت نظرتنا له.
وبعد فترة، رغبتُ في الالتحاق بالعسكرية، فاضطررتُ إلى إجراء عملية جراحية، لعلة بي.
ودخلتُ المستشفى، فكان رفقاء السوء يزورونني فيؤذونني بشرب الدخان والكلام البذيء.
وفي المقابل كان الشيخ عبد الواحد يزورني، هو وبعض أصحابه، فكانوا يُقبّلون رأسي، ويُسمعونني كلمات ملؤها التفاؤل والأمل، فأصبحتُ أشعر بارتياح لزيارتهم وجلوسهم معي.
وفي إحدى الزيارات، سألني أحدهم عن نومي، فأخبرتهم أني لا أنام إلا بمخدر طبي، وأن عندي بعض المجلات والصحف والقصص أقرأ فيها فلا يأتيني النوم، فقال لي أحدهم: ليس لك علاج إلا القرآن، فطلبتُ منهم مصحفاً فأعطوني، وفي تلك الليلة قرأت سورة البقرة كاملةً، فنمت مباشرةً، وفي الليلة الثانية، قرأت سورة آل عمران، فنمتُ كذلك، ثم سألوني بعد ذلك عن حالي ونومي فأخبرتهم بأني أصبحتُ أنام بارتياح.
خرجتُ من المستشفى، ومع أني كنت أشعر بارتياح شديد لهؤلاء الشباب الطيبين الملتزمين، إلا أني مازلتُ مع أولئك الأشرار الخبثاء.
وفي يوم من الأيام، كنتُ على موعد مع فعل معصية، وكان ذلك الموعد في مكان بعيد، في منطقة أخرى، ولم أكن بعد قد استعدت كامل صحتي بعد تلك العملية، ولكني خاطرت، فركبت سيارتي وانطلقتُ متوجهاً إلى تلك المنطقة، وفي الطريق انفجرتُ إحدى العجلات بقوة، فاضطررتُ إلى الخروج عن الطريق، والدخول في منطقة رملية.
كنتُ في تلك اللحظات أشعر بألم شديد من آثار تلك العملية الجراحية التي لا تزال آثارها باقية، حتى أني أكاد أعجز عن حمل نفسي، وبصعوبة نزلتُ من السيارة وحاولت أن أرفعها، ولكني كلما رفعتها سقطت، حاولت مراراً ولكن دون جدي، فلما يئست، وقفت على جانب الطريق وحاولت أن أستعين بعض المارة، ولكنهم لم يقفوا لمساعدتي.
اقتربتِ الشمس من الغروب، وأحسستُ بأني وحيد في هذا المكان الموحش، فضاقتْ بي الدنيا، ولم أدر ما أفعل، وهنا لم أجد من ألتجئ إليه إلا الله الواحد الأحد، ومن غير شعور، جثوت على ركبتي، ومددت كفي إلى الله -عز وجل- فدعوته في تلك اللحظات أن يُفرج همي ويكشف كربتي.. ولم يكن ذلك عن إخلاص منيّ ولكنها الفطرة. وعدتُ إلى سيارتي وبعد عدة محاولات تمكنت بعون الله من رفعها، وقمت بتبديل العجلة التالفة وأخرجت السيارة وقد أوشكت الشمس على الغروب.
وبعد هذا كله لم أتعظ بل واصلتُ سيري طمعاً في فعل تلك المعصية، ولكن الله عصمني منها حيث فاتَ الموعد، فصليتُ المغربَ هناك ثم عدتُّ من حيث أتيتُ، وبدأ أولئك الشباب الطيبون يكثرون من زيارتي، ويُلحون عليّ في حضور مجالسهم، فكنت أتردد عليهم وأجلس معهم، فكانت رائحة الدخان تفوح من ثيابي، ومن فمي، فلم يظهروا لي انزعاجهم من ذلك، بل كانوا يقتربون مني ويرحبون بي ثم (يطيّبونني)، ويمسحون علي يديّ من دهن العود، فكنت أستغرب عملهم هذا ومعاملتهم الطيبة.
كنتُ أجلس معهم من بعد صلاة المغرب إلى العشاء، وبعد صلاة العشاء أعود إلى أصحابي الآخرين (السيئين)، فأجلس معهم إلى الفجر فلا أسمع منهم إلا السب والشتم والكلمات البذيئة والألفاظ النابية، واستمر الحال على ذلك، أجلس مع هؤلاء وهؤلاء، مع ارتياحي لأولئك الطيبين لما أسمعه منهم.
ثم جاءتْ الضربةُ القاضيةُ، فقد بدأتُ أخطط للزواج، فتقدمتُ لخطبة فتاة ملتزمة، فخدعتُ أهلها وأقنعتهم بأني شاب صالح، أصلي وأخاف الله، ولكن الفتاة رفضتُ إلا شابًا ملتزماً، وحاولت إقناعها، ولكنها أصرتْ على موقفها، وقالت: لن أقبل إلا شاباً ملتزماً، وكان مظهري لا يوحي بأني شاب ملتزم، فأصبتُ بصدمة عنيفة، وقلت في نفسي: ما معنى (شاب ملتزم)؟!
وعدتُّ إلى البيت، وأنا أفكر في قولها، وأقول في نفسي: لماذا لا أكون شاباً ملتزماً؟ وكان الله ألهمني في تلك اللحظة أن أكون كذلك... فذهبتُ إلى الشيخ عبد الواحد، وأخبرته بأني سوف أبدأ حياة جديدة، وأكون شاباً مستقيماً.
وبالفعل بدأتُ حياةً جديدةً فابتعدتُّ عن رفقاء السوء، الذين كانوا هو سبب شقائي وتعاسي، وأصبحتُ شابّاً ملتزماً، والله سبحانه أعانني على ذلك، والآن قد مضى على التزامي -ولله الحمد- خمس سنوات تقريباً.
فأسأل الله أن يثبتني وإياكم على دينه، إنه سميع مجيب.
(7) توبة فتاة متبرجة( )
إن الفرق بين المرأة المتحجبة الطاهرة، والمرأة المتبرجة السافرة، كالفرق بين الجوهرة الثمينة المصو
) توبة شابين في المطار على يد أحد المشايخ ( )
) توبة شابين في المطار على يد أحد المشايخ ( )
(على حضرات الركاب المسافرين على الرحلة رقم ...، والمتوجهة إلى ....، التوجه إلى صالة المغادرة، استعداداً للسفر).
دوّي هذا الصوت في جنبات مبنى المطار، أحد الدعاة كان هناك جالساً في الصالة، وقد حزم حقائبه، وعزم على السفر إلى بلاد الله الواسعة للدعوة إلى الله –عز وجل- سمع هذا النداء فأحس بامتعاض في قلبه، إنه يعلم لماذا يسافر كثير من الناس إلى تلك البلاد، وخاصةً الشباب.
وفجأة لمح هذا الشيخ الجليل شابين في العشرين من عمرهما أو تزيد قليلاً، وقد بدا من ظاهرهما ما يدل على أنهما لا يريدان إلا المتعة الحرام من تلك البلاد التي عرفت بذلك.
(لابدّ من إنقاذهما قبل فوات الأوان) قالها الشيخ في نفسه، وعزم على الذهاب إليهما ونصحهما، فوقف الشيطان في نفسه، وقال له: ما لك ولهما؟! دعهما يمضيان في طريقهما ويرفها عن نفسيهما، إنهما لن يستجيبا لك).
ولكن الشيخ كان قوي العزيمة، ثابت الجأش، عالماً بمداخل الشيطان ووساوسه، فبصق في وجه الشيطان، ومضى في طريقه لا يلوي على شيء، وعند بوابة الخروج، استوقف الشابين بعد أن ألقى عليهما التحية، ووجه إليهما نصيحة مؤثرة، وموعظة بليغة، وكان مما قاله لهما: ما ظنكما لو حدث خلل في الطائرة، ولقيتما -لا قدر الله- حتفكما وأنتما على هذه النية قد عزمتما على مبارزة الجبار -جل جلاله-، فأي وجه ستقابلان ربكما يوم القيامة؟؟).
وذرفت عينا هذين الشابين، ورق قلباهما لموعظة الشيخ، وقاما فوراً بتمزيق تذاكر السفر، وقالا: يا شيخ: لقد كذبنا على أهلينا، وقلنا لهم إننا ذاهبان إلى مكة أو جدة، فكيف الخلاص؟ ماذا نقول لهم؟.
وكان مع الشيخ أحد طلابه، فقال: اذهبا مع أخيكما هذا، وسوف يتولى إصلاح شأنكما.
ومضى الشابان مع صاحبهما وقد عزما على أن يبيتا عنده أسبوعاً كاملاً، ومن ثم يعود إلى أهلهما.
وفي تلك الليلة، وفي بيت ذلك الشاب (تلميذ الشيخ) ألقى أحد الدعاة كلمة مؤثرة زادت من حماسهما، وبعدها عزم الشابان على الذهاب إلى مكة لأداء العمرة، وهكذا: أرادا شيئاً وأراد الله شيئاً آخر، فكان ما أراد الله -عز وجل-.
وفي الصباح، وبعد أن أدى الجميع صلاة الفجر، انطلق الثلاثة صوب مكة -شرفها الله- بعد أن أحرموا من الميقات، وفي الطريق كانت النهاية.. وفي الطريق كانت الخاتمة.. وفي الطريق كان الانتقال إلى الدار الآخرة، فقد وقع لهم حادث مروّع ذهبوا جميعاً ضحية، فاختلطت دماؤهم الزكية بحطام الزجاج المتناثر، ولفظوا أنفاسهم الأخيرة تحت الحطام وهو يرددون تلك الكلمات الخالدة: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.. الخ).
كم كان بين موتهما وبين تمزيق تذاكر سفرهما لتلك البلاد المشبوهة؟! إنها أيام، بل ساعات معدودة، ولكن الله أراد لهما الهداية والنجاة، ولله الحكمة البالغة سبحانه.
أخي المسلم: إذا نازعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى معصية الله ورسوله فتذكر هادم اللذات وقاطع الشهوات ومفرّق الجماعات، الموت، واحذر أن يأتيك وأنت على حال لا ترضي الله -عز وجل- فتكون من الخاسرين.
وإذا خَلَوتَ بريبــة في ظُلمـــةٍ والنفس داعيــة إلى العصيـــان
فاستحيـي من نظرِ الإلـه وقل لهـا إن الـذي خَلَقَ الظـلام يـرانـي
شتان بين من يموت وهو في أحضان المومسات، ومن يموت وهو ساجد لرب الأرض والسماوات.
شتان بين من يموت وهو عاكف على آلات اللهو والفسوق والعصيان، ومن يموت وهو ذاكر لله الواحد الديان، فاختر لنفسك ما شئت.
(8) توبة شاب بعد رؤية ليوم القيامة ( )
ع. أ. غ. شاب يافع، لديه طموح الشباب، كان يعيش مثل بعض أقرانه لا يأبهون بأوامر الله، وذات ليلة أراد الله به خيراً، فرأى في المنام مشهداً أيقظ من غفلته، وأعاده إلى رُشده، يحدثنا هذا الشاب عن قصته فيقول:
في ليلة من الليالي ذهبتُ إلى فراشي كعادتي لأنام، فشعرتُ بمثل القلق يساورني، فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم ونمتُ، فرأيتُ فيما يرى النائم، أن شيئاً غريباً وضخماً قد وقع من السماء على الأرض.. لم أتبين ذلك الشيء، ولا أستطيع وصفه، فهو مثل كتلة النار العظيمة، رأيتها تهوى فأيقنتُ بالهلاك... أصبحت أتخبط في الأرض، وأبحث عن أي مخلوق ينقذني من هذه المصيبة... قالوا هذه بداية يوم القيامة، وأن الساعة قد وقعتْ، وهذه أولى علاماتها... فزِعت، وتذكرت جميع ما قدمت من أعمال، الصالح منها والطالح، وندمت أشد الندم.. قرضت أصابعي بأسناني حسرةً على ما فرطتُ في جنب الله.. قلت والخوف قد تملكني ماذا أفعل الآن؟ وكيف أنجو؟... فسمعت منادياً يقول: اليوم لا ينفع الندم.. سوف تُجازَى بما عملت.. أين كنتَ في أوقات الصلوات؟ أين كنتَ عندما أتتك أوامر الله؟ لِمَ لمْ تمتثل الأوامر وتجتنب النواهي؟ كنتَ غافلاً عن ربك...قضيتَ أوقاتك في اللعب واللهو والغناء، وجئتَ الآن تبكي.. سوف ترى عذابك.
زادت حسرتي لما سمعت المنادي يتوعدني بالعذاب.. بكيتُ وبكيتُ ولكن بلا فائدة.. وفي هذه اللحظة العصيبة استيقظت من نومي.. تحسست نفسي فإذا أنا على فراشي.. لم أصدق أني كنت أحلم فقط حتى تأكدت من نفسي.. تنفست الصعداء، ولكن الخوف ما زال يتملكني، ففكرت، وقلت في نفسي: والله إن هذا إنذار لي من الله.. ويوم الحشر لابدّ منه، إذن لماذا أعصي الله... لِمَ لا أنتهي عما حرم الله.. أسئلة كثيرة جالت في خاطري ولم أجد إجابة واحدة: عُدْ إلى الله حتى تنجو في ذلك اليوم العظيم.
أصبح الصباح، وصليت الفجر، فوجدتُ حلاوة في نفسي.. وفي ضحى ذلك اليوم نزلتُ إلى سيارتي.. نظرت بداخله فإذا هي مليئة بأشرطة الغناء.. أخرجتها واكتفيت ببعض الأشرطة الإسلامية النافعة.
بقيتُ على هذه الحال، في كل يوم أتقدم خطوة إلى طريق الهداية التي أسأل الله أن يثبتني وإياكم عليها.
واليوم ما أكثر المغترين بهذه الدنيا الفانية، والغافلين عن ذلك اليوم الرهيب الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فهل من عودة إلى الله قبل الموت.
(9) توبة شاب غافل بعد وفاة أخته المؤمنة ( )
يقول صاحب القصة:
(كنت شاباً غافلاً عن الله، بعيداً عنه، غارقاً في لُجَج المعاصي والآثام، فلما أراد الله لي الهداية، قدّر لي حادثاً أعادني إلى رشدي، وردّني إلى صوابي.. وإليكم القصة:
في يوم من الأيام، وبعد أن قضينا أياماً جميلة في نزهة عائلية في مدينة الدمام، انطلقتُ بسيارتي عبر الطريق السريع بين الدمام والرياض ومعي أخواتي الثلاث، وبدل أن أدعو بدعاء السفر المأثور، استفزني الشيطان بصوته، وأجلب عليّ بخَيله ورَجله، وزين لي سماع لهو الحديث المحرم لأظل سادراً غافلاً عن الله.
لم أكن حينذاك أحرص على سماع إذاعة القرآن الكريم أو الأشرطة الإسلامية النافعة للمشايخ والعلماء، لأن الحق والباطل لا يجتمعان في قلب أبداً.
إحدى أخواتي كانت صالحة مؤمنة، ذاكرة لله، حافظة لحدوده.. طلبتْ مني أن أسكتَّ صوت الباطل، وأستمع إلى صوت الحق، ولكن ... أنى لي أن أستجيب لذلك وقد استحوذ عليّ الشيطان، وملك عليّ جوارحي وفؤادي، فأخذتني العزة بالإثم ورفضتُ طلبها، وقد شاركني في ذلك أختاي الأخريان.. وكررتْ أختي المؤمنة طلبها فازددتُّ عناداً وإصراراً، وأخذنا نسخر منها ونحتقرها، بل إني قلتُ لها ساخراً: أن أعجبك الحال وإلا أنزلتُكِ على قارعة الطريق.
فصمّتت أختي على مضض، وقد كـرهتْ هـذا العمل بقلبها، وأدّت ما عليـها، والله -سبحانه- لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وفجأةً .. وبقدر من الله سبق، انفجرت إحدى عجلات السيارة ونحن نسير بسرعة شديدة، فانحرفت السيارة عن الطريق، وهوت في منحدر جانبي، فأصبحت رأساً على عقب بعد أن انقلبتْ عدة مرات، وأصبحنا في حال لا يعلمها إلا الله العلي العظيم، فاجتمع الناس حول سيارتنا المنكوبة، وقام أهل الخير بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثر.. ولكن... ما الذي حدث؟
لقد خرجنا جميعاً سالمين -إلا من بعض الإصابات البسيطة- ما عدا أختي المؤمنة.. أختي الصابرة.. أختي الطيبة.
فقد لفظت أنفاسها الأخيرة تحت الركام.
نعم.. لقد ماتت أختي الحبيبة التي كنا تستهزئ بها، واختارها الله إلى جواره، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار وأسأل الله -عز وجل- أن يرفع منزلتها ويُعلي مكانتها في جنات النعيم.
أما أنا فقد بكيتُ على نفسي قبل أن أبكي إلى أختي، وانكشف عني الغطاء، فأبصرت حقيقة نفسي وما كنتُ فيه من الغفلة والضياع، وعلمت أن الله -جل وعلا- قد أراد بي خيراً وكتب لي عمراً جديداً، لأبدأ حياة جديدة ملؤها الإيمان والعمل الصالح.
أما أختي الحبيبة فكلما تذكرتها أذرف دموع الحزن والندم، وأتساءل في نفسي: هل سيغفر الله لي؟ فأجد الجواب في كتاب الله -عز وجل- في قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم).
وختاماً أحذّركم -إخواني في الله- من الغفلة، فأفيقوا أيها الغافلون، وخذوا من غيركم العبرة قبل أن تكونوا لغيركم عبرة.
فيا غافلاً في غمـرة الجهل والهـوى *** صريع الأمانـي عن قريبٍ ستنـدم
أفقْ قد دنا اليـوم الذي ليس بعـده *** سوى جنة أو حــرَّ نــار تضرَّم
وبالسنـة الغرّاء كن متمسكـــاً *** هي العُروة الوُثقى التي ليـس تُفصم
تمسّك بها مَسك البخيـل بمالـــه *** وعُضَّ عليهـا بالنَّواجذ تسلـــم
(10) توبة شاب بعد ذهاب بصره
كان ينظر إلى الحرام، فلما فقدَ بصرَه عرف قدر نعمة الله عليه، فتاب إلى الله وندم على ما مضى.
يقول هذا التائب:
لا أحد يدرك قيمة النعمة حتى يفقدها.
لقد كنتُ من المولعين جدّاً بالقراءة... كنت لا أستغني عن القراءة يومياً لمدة تزيد على خمس ساعات.. لا أترك جريدة أو مجلة أو كتاباً جديداً إلا وأقرأه حرفاً حرفاً حتى أدمنت هذه الهواية، وصارت جزءاً من حياتي اليومية.
وفي يوم من الأيام كنت أقود سيارتي بسرعة مذهلة، فانحرفت بي السيارة نتيجة للسرعة القصوى التي أسير بها وتدحرجت كالكرة، وارتطمتْ بأحد الأعمدة الضخمة، وأصبتُ في رأسي بكدمات قوية، وقد عولجت لفترة طويلة في المستشفى، وعلى الرغم من جود الأطباء وتوافر الأجهزة الطبية المتطورة، إلا أن إرادة الله -جلّت قدرته- كانت فوق ذلك، فقد قدّر الله علي بفقد البصر، ولم تنجح أية حيلة أو طريقة للعلاج، وأصبحت كفيفاً لا أقدر على ممارسة هوايتي التي نَمتْ معي منذ الصغر، وأصبحت جزءاً من كياني وحياتي اليومية.
ووسط هذه المعاناة الشديدة بفقد هذه النعمة الكبرى، كان ذكر الله والدعاء، والصبر والاحتساب، والاستماع المنتظم لتلاوة القرآن الكريم هو المخرج الوحيد بفضل الله تعالى.
وأنني هنا أنقل للجميع هذه التحولات في حياتي، لأذكرَ إخواني المسلمين بضرورة تقوى الله، والاستفادة من كل ملكة وجارحة فيما يرضي الله.. لقد كنت في زمن مضى من المفرطين -للأسف- فكنت معرضاً عن تلاوة كتاب الله والتمعن فيه، وأختلس النظرات المحرمة.. واليوم أعضُّ أصابع الندم على ما فَرط مني، وأرفع كفي إلى الله نادماً، تائباً لوجه الله تعالى، وأسوق حكايتي هنا لعل فيها عبرة للآخرين.
التائب: إبراهيم. ع. ن.
(11) توبة مدمن ( )
يقول هذا التائب:
(كان المنعطف الأول في حياتي في سن مبكرة جداً حيث كان عمري آنذاك ست سنوات لا غير، وقبل أن أعي الحياة وأدركها كما ينبغي صحوت على (مأساة عائلية).
لقد طلّق والدي أمي، وانفصلتْ عنه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ازداد الأمر تعقيداً حينما قررتْ أمي أن تتزوج.. واختار أبي زوجة أخرى، فأصبحت تائهاً، ضائعاً بين الاثنين.. وكما يقولون: (أمران أحلاهما مر).. فعند أبي كنت أقابل بمقالب زوجة أبي، أما عند أمي فكان زوج أمي يكشر عن أنيابه دائماً في وجهي، ومن الطريف أنني كنت دائماً حاضراً عند كليهما، وكنت أيضاً غائباً عن كليهما.. فكنتُ الحاضر الغائب، والموجود المفقود.
ومع هذه الظروف العائلية غير الطبيعية، ومع التفكك والاضمحلال الأسري، سقطتُ في هوة الإدمان مع رفقاء السوء، ووجدتُ معهم الملاذ الذي افتقدته، والعطف والاهتمام اللذين حرمت منهما، طبعاً لم يكن عطفاً واهتماماً خالصاً لوجه الله، وإنما من أجل الوصول إلى أغراضهم الخبيثة.
أصبحتُ أقضي معظم وقتي مع أولئك الأشرار ما بين شرب وتعاطٍ وإدمان، وحينما يسألني أبي أين كنت؟ أقول له عند أمي، وحينما تستفسر عن غيابي، أقول لها كنت عند أبي، وهكذا يظن كلاهما أنني موجود، وكنت مفقوداً ويعتقد كلاهما أني حاضر، وكنت في تلك الأثناء الغائب الوحيد.. الغائب عن الحياة.. الساقط في التيه والضياع.
كان هذا هو المنعطف الذي ألقى بي في هاوية الإدمان، ولكن كيف خرجت إلى شط الأمان؟
تلك قصة أخرى سأرويها لكم:
ففي ليلة من الليالي، وبعد سهرة تطايرت فيها الرؤوس، وتلاعبت بها المخدرات، خرجنا من (الوكر) لكي نتنفس الهواء العليل ليزيدنا طرباً على طرب!! ونشوة إلى نشوة!! وبينما كنا في سعادة موهومة غامرة، وغيابات كاذبة، إذ بالسيارة تنقلب عدة مرات.
كنا أربعة من الشياطين داخل السيارة، توفي الثلاثة ولم يبق إلا أنا نجوت بأعجوبة.. بفضل الله تعالى.
ومكثتُ في المستشفى عشرة أيام كاملة ما بين الحياة والموت، غيبوبة كاملة تماماً، كتلك التي كنتُ أحياها من قبل.
وأفقتُ من الغيبوبة الصغرى عقب الحادث، على حقيقة الغيبوبة الكبرى التي كنتُ أحياها، واكتشفتْ نفسي من جديد، وشعرت بالإيمان بعد أن مات الإحساس لديّ، وعدتُ إلى الله ضارعاً مستغفراً حامداً شاكراً لأنه تولاني وأنقذني من موتتين: موت السيارة، وموت الإدمان، وخرجت من المستشفى إلى المسجد مباشرةً، وقطعتُ كل صلتي بالماضي، وأحمد الله أنني دخلتُ المسجد بدلاً من السجن، والقرآن الكريم هو أوفى صديق لي الآن يلازمني وألازمه.
هذه قصتي باختصار، وأنصح إخواني الشباب وغيرهم بالحذر من رفقاء السوء، الذين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، كما أنصحهم بالبعد عن المخدرات فإنها رأس كل خطيئة، والله الموفق.
(12) توبة شاب مجاهد ( )
أبو ثابت شاب عرف الله، فطلّق حياة العربدة والفجور، وانطلق إلى أفغانستان ليروي ببعض دمه أرض البطولة والفداء، يروي قصة توبته فيقول:
(كنا مجموعة من الشباب لا نعرف للوقت أهمية ولا للحياة هدفاً أكثر من أن نعيشها يوماً بيومٍ. وساعة بساعة، ويشاء الله، ويسبقنا قريب لي -وهو ابن خالتي سالم- إلى الله، ثم إلى الجهاد.
ومكث هناك ما شاء الله أن يمكث، ثم عاد.
عاد سالم من الجهاد شخصاً آخر، وأصبح محل احترام الجميع في العائلة وبين الأصدقاء.
وجاء يزورنا مرة، وتحدث إلينا عن الجهاد وفضائله، وحض والدتي وجدتي على التبرع من ذهبهما للجهاد، وكان كلامه مقنعاً.. وبالفعل تبرعتا بالذهب.
أما أنا فأخرجت مائة ريال كانت في جيبي، وقلت: يا سالم، ليس عندي غير هذه المائة، فخذها للمجاهدين، فردّ علي بهدوء: (لا.. أنت تتبرع بنفسك لا بمالك، أنت تذهب إلى الجهاد إن شاء الله..).
نظرتُ إلى والدتي، وقلت: أذهب، إذا وافقتْ الوالدة.. وكانت المفاجأة أنها وافقت، وبحماس شديد ( ).. ومن ذلك اليوم بدأتُ رحلتي إلى الله، ورافقتُ سالماً، وتعرفت معه على المساجد وحِلَقِ العلم، والطريف أن علاقتي بالوالدة تحسّنت عما كانت عليه زمن المعصية، فبعد أن يئستْ مني في الماضي، وأراحت نفسها بعدم الاهتمام بسفري وغيابي، أصبحتُ الآن تقلق عندما أتأخر، وتحب أن تجلس معي لنتحدث، هنالك عرفت معاني جديدة لعلاقة الأم بابنها..
وانطلقتُ إلى أفغانستان..
وهناك، فوق رمال صحراء قندهار الدافئة، تذكرت البرّ حول مدينة الدمام حيث تعودتُ أن أقضي أمسيات طويلة مع الشباب.
كما ذكرني منظر اللهب الذي تحدثه صواريخ وقذائف الشيوعيين، بمنظر اللهيب المتصاعد من آبار النفط حول مدينة الدمام.
ولكنّ الفارق الكبير.. رأيت مدافع الشيوعيين وقذائفهم وهي تنهال على المجاهدين العزّل إلا من بعض الأسلحة الخفيفة، فيستقبلونها وهم يرددون، (الله أكبر)، وكل واحد منهم قد استعد للقاء الله في جنة عرضها السماوات والأرض، أو سحق أولئك الشيوعيين الملحدين.
وفي تلك اللحظات، فوجئت بصور عديدة من حياتي وهي تتسارع أمامي كان أوضحها وجه والدتي الحبيبة وهي تودعني.. صورة إخواني.. منزلنا بالثقبة.
عدت قليلاً إلى الوراء لأتذكر الرحلات المشبوهة إلى شرق آسيا وما دون ذلك.. صور كثيرة مؤلمة رأيتها أمامي... فتساءلت: هل سيغفر الله لي؟ أرجو ذلك.
هذه قصة (أبو ثابت) مع الهداية، وهكذا تحي الأمة الميتة بالجهاد في سبيل الله، وهكذا تتحوّل النفوس المنهزمة إلى نفوس حرة أبيّة حينما تدب فيها روح الجهاد في سبيل الله.
(13) توبة طبيب نصراني وإسلامه على يد داعية مسلم ( )
جي ميشيل (36 سنة) مسئول هيئة تنصيرية جاءت من ألمانيا الغربية للعمل في الصومال، ولأن البعثة جاءت للعمل فكان لابدّ من تسميتها بعثة (المشروع الوطني لمحاربة الأمراض العمى) كان ميشيل من النابغين في الإشراف على فريق التمريض، لذلك لم يفاجأ بخبر تعيينه مسئولاً للبعثة إضافةً إلى إدارة المشروع، تحركت البعثة في منتصف عام 1978م وأمامها خريطة للتنصير في القرن الإفريقي تحت لافتة: (محاربة أمراض العمى). حديث (ميشيل) يأتي عذباً صافياً لأنه نابع من القلب، ولأن حديثي يختلف بالتأكيد عن حديث (ميشيل) من حيث الصدق والإحساس سأتركه لكم:
يقول جي ميشيل:
سعادتي بالصومال والصوماليين كانت كبيرة، ربما لحسن استقبالهم لنا، وربما لإحساسنا بمدى الفقر الذي يعانونه في الوقت الذي يعتزون فيه بأنفسهم، كما لو كانوا من أثرى الأثرياء، ربما لوجوههم الطيبة التي تستطيع رغم سمرتها أن تترجم كل حركة أو إشارة صادرة منها بسهولة.
أشياء كثيرة كانت وراء فرحتي بمكان المهمة.
يبدو أنني في زحمة انشغالي بالعمل وفرحتي واحترامي للشعب الصومالي نسيتُ مهمتي الأصلية، التي جئت وجاء الفريق من أجلها! فبسرعة عجيبة كان لي أصدقاء مسلمون يسألون عني وأسأل عنهم، تفانيت في محاربة أمراض العمى، وأشرفت على علاج عشرات الحالات، وكانت كلمات المديح والإطراء تخرج من كل الأفواه أثناء مروري على أي تجمع أو في أي شارع، كنت أفهم كلماتهم رغم أنها صادرة بلغة غير لغتي لكنها لغة الإحساس، في زحمة ذلك كله وبعد خمسة أشهر من النجاح الباهر في محاربة العمى جاءتني برقية من قصر رئاسة المنظمة الألمانية التي تتولى تنفيذ المشروع من ألمانيا!
قلت لنفسي: لعلها بشرى سارة فقد أمروني بالعودة فوراً، ربما ليشكروني على التفاني في العمل، وربما ليقدموا لي ولأفراد الفريق هدايا أو أوسمة. لم أستطيع أن أفسر طلبهم العجيب بضرورة توجهي إلى إنجلترا لأخذ دورة جديدة تساعدني في إنجاح مهمتي، إن مهمتي ناجحة تماماً والعمل هناك يمضي بصورة رائعة فما جدوى هذه الدورة مع رجل مثلي كان الأول على كل الدورات السابقة؟ لم أستطع التفسير وبالتالي لم أستطع الرد بأكثر من نعم. سافرت إلى إنجلترا وأمضيت هناك شهراً كاملاً، وعدتُ إلى ألمانيا الغربية وأنا أتوق إلى أوامر بعودتي إلى الصومال، وبعد أسبوع جاء الأمر: توجه إلى تنزانيا! ومرة أخرى لا أجد تفسيراً لتوجهي إلى تنزانيا رغم نجاحي في الصومال، ولأنني لم أناقشهم في سبب ذلك. اطمأنوا تماماً لي وأرسلوا لي برقية بعد أربعة أسابيع يطلبون فيها عودتي إلى الصومال، وبكيتُ فرحاً!
عدتُ إلى الصومال بعد خمسة أشهر من الانقطاع عن الوجوه الطيبة والقلوب الدافئة، التحقتُ بالمشروع على الفور، ومارستُ عملي وإشرافي، كانتْ فرحةُ الصوماليين بعودتي تكاد تقترب من فرحة مريض بمرض في عينه وتم علاجه، ولولا اتهامي بالمبالغة لقلتُ أن فرحتهم بي كانت كفرحة الأعمى بعودة البصر إلى عينيه، هذا ما أحسستُ به خاصةً من صديقي (محمد باهور).
دعاني (محمد باهور) لزيارة منزله، وهناك كان الترحيب بي من أسرته ومن جيرانه رائعاً، وفوجئتُ أثناء جلوسي معهم برجل يتحدث الإنجليزية بشكل جيد، فرحتُ كثيراً بذلك وفرحت أكثر عندما علمتُ أنه والد (محمد) ها هي الفرصة تتحقق وها هو الجزء الثاني والأهم في مهمتي إلى الصومال سيتحقق! إن اللغة تقف عائقاً كبيراً في عملية التنصير لكن وجود مثل هذا الرجل سيساعدني كثيراً في شرح أبعاد التبشير بالنصرانية خاصةً وأن هذا الرجل يحترمه الجميع ويقدّرونه بصورة تكاد تقترب من الخوف!
وبدأتُ مع هذا الرجل الذي توقعتُ أن يكون مفتاحَ التبشير والتنصير في المنطقة كلها، قلت لنفسي فلأبدأ معه بالحديث عن الأديان عموماً وأنتقل للحديث عن الإنجيل وعن المسيح الذي أدركتُ واكتشفتُ أكثر من مرة أن المسلمين جميعاً يحبونه ويعترفون به! ولا أدري ماذا حدث وكيف اكتشف هذا الرجل أن حديثي معه سيكون عن الأديان! قبل أن أبدأ حديثي وجدته ممسكاً بنسخة من (القرآن) في يديه وسألني: أتعرفُ هذا الكتاب؟ ابتسمتُ ولم أجب خشية إثارته أو التلميح له بمهمتي! مرة أخرى أحسستُ أن الرجل يدرك ما يدور بعقلي منحني فرصةَ الخروج من المأزق وبدأ هو يتحدث عن الإنجيل وعن المسيح، وطلب مني أن أوجه له أي سؤال أريد الإجابة عنه سواء في الإنجيل أو في القرآن! قلت: كيف؟ قال: في القرآن كل شيء!
انتهتْ زيارتي وعدتُ إلى عملي ثم إلى مقر إقامتي وأنا أفكر في كيفية اختراق عقل وفكر هذا الرجل، إنني لو نجحتُ في ذلك سأكون بلا شك قد قطعتُ شوطاً كبيراً وسيسهل بعد ذلك اصطياد الواحد تلو الآخر عدتُ إلى بعض النشرات والكتيبات، وسخرتُ من نفسي وأنا أشعر وكأني تلميذ مقبل على امتحان خطير! طمأنت نفسي وقلت: إنها مهمة بسيطة ويبدو أنني أضخّمها أكثر من اللازم، إن السيطرة على تفكير رجل مثل والد محمد مسألة سهلة، هي بالتأكيد سهلة وخرجتُ إلى عملي، أنهيته وبدأتُ في البحث عن (محمد باهور) طامعاً في وعد بزيارة جديدة حتى ألتقي بالرجل (المفتاح).
كان الموعد وكان اللقاء وكانت البداية المباغتة: فور جلوسي سألني الرجل عن طبيعة مهنتي فقلتُ: الطب! قال لي: إن (القرآن الكريم) يشرح بالتفصيل عملية (الخلق) و (النشأة) وكل ما يحدثُ في الإنسان من تغيرات! قلتُ: كيف؟ وكأن الرجل كان ينتظر الإشارة الخضراء، اندفع يتحدثُ بلغة إنجليزية جيدة، وليس هذا مهماً، لكن المهم أنه كان يتحدث بإحساس شديد لكل كلمة تخرج من فمه. أقول لكم بصراحة أنني دهشتُ لدرجة الانبهار بكتاب (عمره) أكثر من 1400 عام يتحدث عن كيفية نمو الجنين في رحم المرأة! لقد درستُ لسنوات طويلة وتدربتُ تدريباً شاقّاً وأعرف مراحل نمو الجنين، لكن ما ذكره هذا الرجل شدني كثيراً وقد آلمني ذلك كثيرا!!
كالعادة طمأنت نفسي وهدأتُ من روعها حتى أستطيع النوم، أوكلتُ بعض مهامي في العمل للفريق، وبدأت أفكر كيف أنجح في الجزء الثاني من المهمة (التنصير) مثلما نجحتُ في الجزء الأول منها (محاربة أمراض العمى). صحيح أنني أحب الصومال والصوماليين، لكنني أحب عملي وأحب النصرانية فلماذا لا أجذبهم إليها.
من جديد اضطررتُ لأن أطلب محمد (محمد باهور) أن أزوره، لكنني قبل أن أطلب منه ذلك فوجئتُ به يطلب مني أن أزور والده يومياً إن أمكنني ذلك لأنه يريدني ويحب دائماً الجلوس معي! فرحتُ في البداية لكنني قلتُ لنفسي: كيف أفرح وأنا حتى الآن لم أتمكن من السيطرة عليه، إنه هو البادئ دائماً فلماذا لا أبدأ أنا بالهجوم أو بالغزو؟
لن أحكي لكم تفاصيل ما حدث في الزيارة الثالثة والرابعة والخامسة لقد وجدتني محاصراً تماماً، أذهب إلى الرجل وأنا مستعد تماماً للمواجهة لكن حديثه وصدقه وقدرته الفائقة على الشرح والتوضيح جعلتني أبدو أمامه تلميذاً يسمع دروساً في الدين لأول مرة .
لم أكن أدري أنني مراقب منذ أول زيارة إلى منزل والد (محمد باهور) ويبدو أن المراقبة كانت دقيقة للغاية حتى أنها وصلتْ إلى أن يواجهني أفراد الفريق الطبي ويطلبون مني عدم الذهاب إلى هذا المنزل أو الاتصال بهذه العائلة.
اكتملتْ المراقبة وتوِّجتْ بقرار صادر من ألمانيا الغربية ينص على ضرورة مغادرتي للمعسكر! وقبيل تنفيذ الأمر بيوم واحد اكتشفتُ وجود قرار آخر ينقل (محمد باهور) من عمله إلى مكان آخر!
لم تكن هناك قوة تستطيع أن تمنعني من أن أحب (محمد باهور) وأحب والده وأسرته وأحب الصوماليين جميعاً، مكثتُ في مقديشو أياماً معدودة، وكنت أتسلل ليلاً وأركب شاحنة أخرى حتى أصل إلى منزل عائلة (محمد) لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد قام رئيس فريق العمل الألماني بدفع أموال كبيرة لبعض مسئولي الأمن بالمنطقة، وذلك لمنعي من الوصول إلى هذه المنطقة، وعندما نجحتُ في إقناع مسؤولين آخرين على قدر من التقوى والجدية في العمل كان الخبر المؤلم، لقد تم اعتقال (محمد) لعلاقته بي!
بكيتُ كثيراً من أجل (محمد) وتألمتُ كثيراً من عدم تمكني من مواصلة المشوار مع والده للنهاية، كنت أريد أن أصل إلى نهاية، أو بمعنى أوضح إلى بداية، فإما نهاية للشكوك التي بدأتْ تتسرب إلى عقلي من حديث هذا الرجل، وإما بداية لرحلة جديدة! أثناء ذلك جاءتني برقية أخرى من ألمانيا تطلب مني مغادرة الصومال خلال أيام والانتقال إلى كينيا لتقضية (إجازة ممتعة)!
تعللت بضرورة أخذ بعض أوراقي من مكان المعسكر وأبلغت مسؤول الأمن بذلك، وفور دخولي توجهتُ إلى منزل (محمد باهور).
وجدتُ في المنزل فرحة غير عادية، قال لي الوالد لقد جئتَ مع إطلالة شهر الخير والبركة، سألتُه عن هذا الشهر فقال إنه رمضان! تناولت وجبة (السحور) معهم وقبيل الفجر شاهدتُّ المنطقة كلها تخرج للصلاة! مكثتُ معهم يوماً كاملاً واضطررتُ احتراماً لمشاعرهم أن أصوم لأول مرة في حياتي يوماً كاملاً عن الطعام والشراب!
وفي (نيروبي) وجدتُ في المطار من يستقبلني ويخبرني بأنني سأقيم في منزل كبير بدلاً من الفندق، وكانت الحفاوة بي واضحة، لكنني بعد عدة أسابيع أخبرتُ بخبر آخر أشد ألماً. جاءت البرقية تقول: (لن تستطيع العودة مرة أخرى إلى الصومال لأسباب أمنية)! لماذا؟ كيف؟ ولمصلحة من هذا القرار؟ لم أجد من يجيبني عن تساؤلاتي. هدأتُ قليلاً وأنا أذكر موقف (محمد) ووالده وأسرته معي وأتذكرُ كل الوجوه الصومالية التي التقيتُ بها. ووصلتني رسالة ساخنة من والدي يطالبني فيها بالعودة إلى ألمانيا بأسرع ما يمكن، كانت سطور الرسالة تقول أو توحي بأن والدي تلقى ما يفيد خطورة موقفي إذا سافرتُ إلى الصومال!
اكتشفتُ كذلك أن الرئاسة في ألمانيا الغربية لديها تقرير مفصل عني وعن تحركاتي الكاملة، واتخذت قراري!
قارنتُ بين ما يحدث في ألمانيا وما يحدث في الصومال من لهفة الناس عليّ وقلقهم البالغ وسؤالهم المستمر عني وأغلقتُ بابي على نفسي ورحتُ أراجع الدروس التي سمعتها من والد محمد.
جهزتُ ورقة بيضاء ناصعة وأحضرت القلم وكتبتُ هذه البرقية إلى رئاستي في ألمانيا الغربية: اطمئنوا تماماً كل شيء على ما يرام. سأعتنق الإسلام.
وضعتُ رسالتي في صندوق البريد لأنهي رحلة من القلق والتوتر، كنتُ أشعر وأنا أتوجه إلى صندوق البريد وكأنني عريس في يوم زفاف، وتوجهتُ إلى أصدقائي في (نيروبي) قلتُ لهم: قررتُ العودة إلى الصومال مهما كلفني ذلك! سأعود حتى ولو أدى ذلك إلى قتلي! كان من الطبيعي ألا أجد شيئاً أنفذ به قراري بالعودة، بعت حاجاتي وملابسي كلها باستثناء ما أرتديه، وثلاثة أحذية كنتُ أحضرتها معي، وتمكنتُ من تحصيل سعر التذكرة إلى الإيمان! نعم فقد وصلتُ إلى مقديشو ومنها إلى منزل الوالد (باهور) وفور أن عانقني قلتُ هامساً: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)!.
لم يكن لدي وقتاً للفرح، عكفتُ على الدراسة والحفظ الجيد للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة وكان إعجاب الصوماليين بي شديداً ولأن المسؤولين في المنطقة جزء من نسيج هذا الشعب فقد نجحوا في استصدرا قرار يسمح لي بالتحرك والانتقال والتعايش مع الصوماليين في أي وقت وفي أي مكان كشقيق وأخ مسلم اسمه الجديد (عبد الجبار). الآن فقط فكرتُّ في المشروع الذي كنا نقوم بتنفيذه لقد توقف المشروع بحمد الله دون أن ينجح في الجزء الثاني أو الأول منه وهو الخاص بالتنصير، لكنه حقّق نجاحات باهرة في الجزء الخاص بالعلاج، لذلك لم أفاجأ بموافقة الدكتور عبد الله نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة على أن أواصل العمل في المشروع في وجهه الجديد وجه الخير والعمل الخالص لوجه الله، وها أنا أعود!).
(14) توبة أسرة كاملة عن أكل الحرام على يد أحد أبنائها
أسرة كاملة كانت تعيش على الحرام، وتأكل الحرام.. ويقدّر الله ويهتدي أحد أبنائها فيكون سبباً في هداية الأسرة كلها.. يروي القصة فيقول:
(أنا شاب عشتُ حياة مترفة مع أبي في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة، وكان الخمر يقدم على المائدة بصورة طبيعية.. وكنتُ أعرف تماماً أن دخل والدي كله من الحرام وخاصةً الربا... وكان بجوار بيتنا مسجد كبير فيه شيخ يسمى (إبراهيم) وفي يوم من الأيام كنتُ جالساً في شرفة المنزل والشيخ يتحدث، فأعجبني كلامه، فنزلتُ من الشرفة وذهبتُ إلى المسجد لأجد نفسي كأنني قد انسلختُ من كل شيء، وأصبحت شيئاً آخر.
كان الشيخ يتحدث عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أيما جسد نبت من حرام فالنار أولى به) فوجدتُ نفسي لا أريد أن أدخلَ البيت، ولا أن آكل منه شيئاً، صرتُ أدخل وأخرج، وأتعمدُ ألا آكل شيئاً وأجلسُ بعيداً عن أسرتي، وأضع أمامي قطعة من الجبن وبعض (الفلافل)، وأسرتي أمامها كل ما تشتهيه النفس من الطعام. كادتْ أمي تموت همّاً من أجلي، تريدني أن آكل معهم ولكني رفضتُ وأفهمتها أن مال أبي حرام، وأنهم يأكلون حراماً ويشربون حراماً، فانضمتْ أمي إلىّ، والتزمتْ بالصلاة، وبعدها انضمت إلينا أختي، أما أبي فقد أصرّ على فعله عناداً واستكباراً.
كنت أتعامل مع أبي بأدب واحترام، وقمتُ أنا وأمي وأختي كل منا يجتهد في الدعاء لأبي، كنتُ أقوم الليل فأسمع نحيب أمي وأختي وتضرعهما إلى الله أن يهدي والدي.
وفي صباح يوم من الأيام استيقظ لأجد أبي قد تخلص من كل الخمور التي في البيت، ثم أخذ يبكي بكاءُ شديداً ويضمني إلى صدره ويقول:
سوف أتخلص من كل شيء يُغْضبُ الله.
ولما حان وقت الصلاة، أخذتُ والدتي وذهبنا إلى المسجد، وصار يسمع خطب الشيخ، والحمد لله تخلص من الربا ومن الخمور وأصبح بيتنا -ولله الحمد- مملوءاً بالطاعات..).
(15) توبة رجل بعد موت صاحبه من المخدرات ( )
يروي قصته فيقول:
كنت أتمايل طرباً، وأترنح يمنة ويسرة، وأصرخ بكل صوتي وأنا أتناول مع (الشلة) الكأس تلو الكأس.. وأستمع إلى صوت (مايكل جاكسون) في ذلك المكان الموبوءة، المليء بالشياطين الذي يسمونه (الديسكو).
كان ذلك في بلد عربي، أهرب إليه كلما شجعني صديق أو رفيق، فأصرف فيه مالي وصحتي، وأبتعد عن أولادي وأهلي.. وأرتكبُ أعمالاً عندما أتذكرها ترتعد فرائصي، ويتملكني شعور بالحزن والأسى، لكن تأثير الشيطان عليّ كان أكبر من شعوري بالندم والتعب.
استمرأت هذه الحال، وانطلق بي هوى النفس إلى أبعد من ذلك البلد العربي، وأصبحتُ من عشاق أكثر من عاصمة أوروبية، وهناك، أجد الفجور بشكل مكشوف وسهل ومرن.
وفي يوم من أيام أواخر شهر شعبان أشار عليّ أحد الأصدقاء بأن نسافر إلى (بانكوك) وقد عرض عليّ تذكرة مجانية، وإقامة مجانية أيضاً ( ) ففرحتُ بذلك العرض، وحزمت حقائبي وغادرنا إلى بانكوك حيث عشتُ فيها انحلالاً لم أعشه طوال حياتي.
وفي ليلة حمراء، اجتمعتُ أنا وصديقي في أحد أماكن الفجور، وفقدنا في تلك الليلة عقولنا، حتى خرجنا ونحن نترنح، وفي طريقنا إلى الفندق الذي نسكن فيه، أصيب صديقي بحالة إعياء شديدة، ولم أكن في حالة عقلية تسمح لي بمساعدته، لكن كنتُ أغالب نفسي فأوقفت سيارة أجرة حملتنا إلى الفندق.
وفي الفندق.. استُدعي الطبيب على عجل، وأثناءها كان صديقي يتقيّأ دماً، وبعد ثلاثة أيام من العلاج المركز، عدنا إلى أهلينا وحالة صديقي الصحية تزداد سوءاً.
وبعد يوم من وصولنا، نقل إلى المستشفى، ولم يبق على دخول رمضان غير أربعة أيام.
وفي ذات مساء، ذهبتُ لزيارة صديقي في المستشفى، وقبل أن أصل إلى غرفته لاحظت حركة غريبة، والقسم الذي يوجد فيه صديقي (مقلوب) على رأسه، وقفتُ على الباب، فإذا بصراخ وعويل.
لقد مات صاحبي لتوه بعد نزيف داخلي عنيف، فبكيتُ، وخرجت من المستشفى وأنا أتخيل أنني أنا ذلك الإنسان الذي ضاعت حياته، وانتهتْ في غمضة عين، وشهقت بالبكاء وأنا أتوب إلى الله.. وأنا أستقبل رمضان بالعبادة والاعتكاف والقيام، وقراءة القرآن، وقد خرجت من حياة الفسق والمجون، إلى حياة شعرتُ فيها بالأمن والأمان والاطمئنان والاستقرار، وقد كنت بعيداً عن ذلك، أستمرئ المجون والفجور، حتى قضى صاحبي نحبه أمامي.. فأسأل الله أن يتوب علي.
(16) توبة مدرسة على إحدى طالباتها ( )
إن الاهتمام بالحجاب والمحافظة عليه هو الخطوة الأولى في طريق الالتزام والاستقامة بالنسبة للمرأة، ولستُ أعني بالحجاب حجاب العادة والتقليد الذي تلبسه المرأة فتزداد به فتنة في أعين ذئاب البشر، وإنما أعني الحجاب الشرعي الكامل الذي يُكسب المرأة احتراماً وتقديراً، كما قال تعالى عن نساء المؤمنين في آية الحجاب: (ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين). فإذا رأى الناس المرأة المتحجبة الحجاب الشرعي الكامل، عرفوا أنها من النساء العفيفات، فلم يجرءوا على إيذائها والتعرض لها.
وبلادنا -ولله الحمد- قد تميزت نساؤها بارتداء الحجاب الكامل الذي يشمل الوجه بالدرجة الأولى، وإن كانت هناك محاولات مستمرة من قبل بعض الأدعياء لإقناع المرأة بنزع غطاء الوجه كخطوة أولى في طريق طويل لنزع الحجاب بأكمله ليصل الأمر في نهاية الطريق إلى العري الكامل والاختلاط في الأماكن العامة وعلى شواطئ البحار وغيرها كما هو الحال في كثير من البلاد التي نجح فيها ألئك المفسدون في الوصول إلى مآربهم، ولكن هذه البلاد تختلف عن غيرها، ونساؤها -والله الحمد- على وعي تام بما يدبره الأعداء، وإن لبسوا لباس الدين، وظهروا بمظهر الناصحين والمشفقين.
والقصة التي سأرويها لكم هي مثال رائع الفتيات هذا البلد المسلم.
تقول صاحبة القصة:
(وتعودت -في بلادي- أخرجُ بلا حجاب.. أرتدي الأزياء المتعارف عليها... وأحرص على آخر خطوط الموضة.
شاء الله -عز وجل- أن أحضر إلى المملكة بعقد عمل مع إحدى الجهات، وفي بداية عملي كان لابدّ من الالتزام بعادات البلد وتقاليدها، فلبست العباءة والغطاء ( )، وظللت على هذه الحال حتى جاء موعد سفري لبلدي.
وفي المطار خلعت العباءة والحجاب، وفوجئت بإحدى طالباتي مسافرة معي لبدي لقضاء العطلة.
سعدت جدّاً برؤية طالبتي، وما إن سلّمت عليّ حتى فاجأتني بقولها:
(لم أتوقع -يا معلمتي- إنك لا ترتدين الحجاب، عكس ما كنت أراك فيه أثناء الدراسة..).
سألتها: لماذا تقولين هذا.. إنني حريصة على أداء واجباتي الدينية كالصلاة والصيام وعدم فعل أي منكر.
فأجابت: إن ما أنتِ عليه الآن هو عين المنكر.
شعرت في تلك اللحظة بالحرج من طالبتي التي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، وهي التي تنصحني وتوجهني إلى طريق الصواب.
حقيقة شعرت بضآلة وضعي، وتمنيت أن الأرض ابتلعتني من شدة خجلي من الله سبحانه وتعالى.
ومن ذلك اليوم قررت ارتداء الحجاب طاعةً لله سبحانه وتعالى وامتثالاً لأمره، وحفظاً لكرامتي ونفسي من عيون الأجانب.
فلله در هذه الطالبة النجيبة -بنت الستة عشرة ربيعاً- ما أروع ما صنعتْ، وإن المسلم ليفتخر بوجود أمثال هذه الفتاة المؤمنة في مجتمعه، ويضرع إلى المولى القدير -عز وجل- أن يحفظ نساء المسلمين وبناتهم من كل مفسد عميل وكل فكر دخيل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(16) توبة فتاة في السكن الجامعي ( )
تقول هذه التائبة:
ما أتعس الإنسان حينما يعيش في هذه الحياة بلا هدف، وما أشقاه حين يكون كالبهيمة، لا همّ له إلا أن يأكل ويشرب وينام دون أن يدرك سر وجوده في هذه الحياة.
لقد كان هذا هو حالي قبل أن يمنّ الله علي بالهداية، لقد عشتُ منذ نعومة أظفاري في بيت متدين، وبين أبوين متدينين ملتزمين، كانا هما الوحيدين الملتزمين من بين سائر الأقارب والمعارف، وكان بعض الأقارب يلومون والدي -رحمه الله- لأنه لا يُدخل بيته المجلات الهابطة وآلات اللهو والفساد، وينعتونه بالمتزمت والمعقد (!!!) بخلاف ذلك، كنت مسلمة بالوراثة فقط، بل كنت أكره الدين وأهله، وأكره الصلاة، وطوال أيام حياتي في المرحلة الدراسية المتوسطة والثانوية لم أكن أركع لله ركعة واحدة، وإذا سألني والدي: هل صليت؟ أقول: نعم.. كذباً ونفاقاً ولقد كان لرفيقات السوء دور كبير في فسادي وانحرافي حيث كنّ يوفرنَ لي كل ما أطلبه من مجلات هابطة وأغانٍ ماجنة وأشرطة خليعة دون علم والدي.
أما اللباس فكنت لا ألبس إلا القصير أو الضيق.. وكنت أتساهل بالحجاب وأتضايق منه، لأنني لم أكن أدرك الحكمة من مشروعيته.
ومضت الأيام وأنا على هذه الحال إلى أن تخرجت من المرحلة الثانوية، واضطررتُ بعد التخرج إلى مغادرة القرية التي كنا نسكنها إلى الرياض لإكمال الدراسة الجامعية.
وفي السكن الجامعي، تعرفتُ على صديقات أخريات، فكنَّ يشجعنني على ما كنتُ عليه من المعاصي والذنوب، إلا أنهن كنَّ يقلن لي: (على الأقل صلي مثلنا ثم اعملي ما شئت من المعاصي).
ومن جهة أخرى كان هناك بعض الأخوات الملتزمات، كن دائماً يقدمن لي النصيحة، إلا أنهن لم يوقفن في نصحي بالحكمة والموعظة الحسنة، فكنتُ أزداد عناداً وإصراراً وبُعداً.
ولما أراد الله لي الهداية وفقني للانتقال إلى غرفة أخرى في السكن، ومن توفيق الله سبحانه أن رفيقاتي هذه المرة كنَّ من الأخوات المؤمنات الطيبات، وكن على خلق عظيم وأدب جم، وأسلوب حسن في النصيحة والدعوة، فكنَّ يقدمن لي النصيحة بطريقة جذابة، وأسلوب مرح، وطوال إقامتي معهن، لم أسمع منهن تأففاً أو كلاماً قبيحاً، بل كن يتبسمن لي، ويقدمن لي كل ما أحتاجه من مساعدة، وإذا رأينني أستمع إلى الموسيقى والغناء كن يظهرن لي انزعاجهن من ذلك ثم يخرجن من الغرفة دون أن يقلن لي شيئاً، فأشعر بالإحراج والخجل مما فعلت، وإذا عدنَ من الصلاة في مصلى السكن، كن يتفقدنني في الغرفة، ويبدين قلقهن لعدم حضوري الصلاة، فأشعر في قرارة نفسي أيضاً بالخجل والندم، فأنا لا أحافظ على الصلاة أصلاً حتى أصليها جماعة.
وفي أحد الأيام.. أخذتُ دوري في الإشراف على الوحدة وقد ارتفع صوت الغناء، جاءتني إحدى رفيقاتي في الغرفة، وقالتْ لي: ما هذا؟ لماذا لا تخفضي الصوت، إنك الآن في موقع المسئولية فينبغي أن تكوني قدوة لغيرك.
فصارحتها بأنني أستمع إلى الأغاني وأحبها، فنظرت إلىّ تلك الأخت وقالت: لا يأ أختي، هذا خطأ، وعليك أن تختاري إما طريق الخير وأهله، أو طريق الشر وأهله، ولا يمكنك أن تسيري في طريقين في آن واحد.
عندها أفقت من غفلتي، وراجعت نفسي، وبدأت أستعرض في مخيلتي تلك النماذج الحية المخلصة، التي تطبق الإسلام وتسعى جاهدةً إلى نشره بسوائل وأساليب محببة.
فتبت إلى الله، وأعلنت توبتي، وعدت لى رشدي، وأنا الآن -ولله الحمد- من الداعيات إلى الله، ألقي الدروس والمحاضرات، وأؤكد على وجوب الدعوة، وأهمية سلوك الداعية في مواجهة الناس، كما أحذر جميع أخواتي من قرينات السوء... والله الموفق.
(17) توبة شاب غافل ( )
س. ع. شاب أردني، قدم إلى هذه البلاد بحثاً عن عمل، فوجد عملاً، ولكنه وجد شيئاً آخر لم يخطر له على بال، لقد وجد الهداية، وجد حلاوة الإيمان، يروي القصة فيقول:
أنا شاب أردني، قدمت إلى السعودية (تبوك) بحثاً عن عمل، ولم أكن آنذاك مسلماً حقيقياً، وإنما كنت مسلماً بالوراثة كحال كثير من المسلمين في هذا الزمن العصيب.
في البداية عملتُ في أحد المطاعم، ثم طلب مني صاحب المطعم أن أعمل في محلٍ آخر له لبيع أشرطة الفيديو، وما أدراك ما أشرطة الفيديو، وما فيها من الخلاعة والمجون، -أو في أكثرها على الأقل-.
عملت في هذا المحل -وهو من أشهر المحلات الفيديو بتبوك- خمس سنوات تقريباً، وفي السنة الرابعة، وفي إحدى الليالي، دخل عليّ شاب مشرق الوجه، بهي الطلعة، تبدو عليه علامات الصلاح والالتزام.
(عجبا.. ماذا يريد هذا الشاب) قلتها في نفسي.
مدّ هذا الشاب يده، وصافحني بحرارة، وقد علت محياه ابتسامة رائعة، تأسِر القلب، وتزيل الوحشة، وتحطم الحواجز النفسية التي كثيراً ما تقف حائلا، تمنع وصول الخير إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه، ثم نصحني نصيحة موجزة، وحذرني من عاقبة مثل هذا العمل نوما يترتب عليه من إفساد للمجتمع، ونشر للرذيلة بين أفراده، وأن الله سيحاسبني على ذلك يوم القيامة، وبعد أن فرغ من حديثه، أهدى إلىّ شريطاً للشيخ تميم العدناني عن (كرامات المجاهدين).
كنت أسكن بمفردي، وأعاني من وحدة قاتلة، وقد مللت سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام، فدفعني الفضول لاستماع ذلك الشريط الذي يتحدث عن كرامات المجاهدين.
وما إن فرغت من سماعه حتى انتابني شعور بالخوف والندم، واكتشفتُ حقيقة حالي وغفلتي عن الله، وتقصيري تجاه خالقي سبحانه فانخرطت في البكاء.
بكيت بكاء مرّاً كما يبكي الطفل الصغير من شدة الندم، لقد تحدث الشيخ -وهم ممن نذروا أنفسهم للجهاد في سبيل الله- تحدث عن كرامات المجاهدين وبطولاتهم، أولئك الذين يقفون على قمم الجبال وهم يرفعون راية لآ إله إلا الله، وقد باعوا أنفسهم لله، وحملوا أرواحهم على أكفهم ليقدموها رخيصة في سبيل الله، فعقدت مقارنة بينهم وبين من ينشر الرذيلة والفساد، ويعيش كما تعيش البهائم لا همّ له إلا إشباع شهواته البهيمية، والأدهى من ذلك أنني لم أركع لله ركعة واحدة منذ اثني عشر عاماً مضتْ عمري الحافل بالضياع والمجون.
لقد ولدت تلك الليلة من جديد، وأصبحت مخلوقاً آخر لا صلة له بالمخلوق السابق، وأول شيء فكرت فيه، التخلص من العمل في ذلك المحل، والبحث عن عمل شريف يرضي الله -عزّ وجل-.
ولكن أأنجو بنفسي، وأدعُ الناس في غَيهم وضلالهم؟ فرأيت أن أعمل في محل الفيديو سنة أخرى، ولكنها ليست كالسنوات السابقة، لقد كنت في تلك السنة أنصح كل من يرتاد المحل بخطورة هذه الأفلام وأبيّن لهم حكم الله فيها، راجياً أن يغفر الله لي ما سلف وأن يقبل توبتي.
ولم تحض أيام حتى جاء شهر رمضان وما أدراك ما شهر رمضان؟ شهر الرحمة والغفران، هذا الشهر الذي لم أشعر بحلاوته وروحانيته إلا في هذه السنة التي منّ الله عليّ فيها بالهداية، فقد أقبلت على تلاوة القرآن، وسماع الأشرطة النافعة من خطب ودروس ومحاضرات، وأذكر أنني استمعت إلى شريطين لم أتأثر بشيء من الأشرطة مثلما تأثرت بهما وهما: (هادم اللذات) و (وصف الجنة والنار) للمورعي.
أما العمل، فقد كان بجوار محل الفيديو الذي كنت أعمل فيه تسجيلات لبيع الأشرطة الإسلامية، وكانت أمنيتي أن أعمل فيها، وبعد أن مضت السنة الخامسة، تركت محل الفيديو فارّاً من غضب الله ولعنته، ومكثت مدة شهرين بلا عمل إلى أن حقق الله أمنيتي، ويسرّ لي العمل في التسجيلات الإسلامية، وشتان بين العملين.
أما صاحب المحل فقد قمنا بنصحه وتذكيره بالله، ونحمد الله أنه استجاب، وترك المحل لوجه الله تعالى.
وأذكر أنني في مرحلة الانتقال من عقر الفساد إلى عقر الإيمان رأيت رؤيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما زاد في إيماني بالله في تلك الفترة، كما رأيت رؤيا أخرى، رأيت فيها الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- الذي تأثرت لمقتله كثيراً وبكيت لذلك، كما رأيت رؤيا لبعض المشايخ، وكلها زادت في إيماني وتثبيتي على الحق.
وفي الختام أسأل الله أن يثبتني وإياكم على دينه، كما أسأله أن يجعل ما قلته عبرة لكل غافل، فالسعيد من اعتبر بغيره.
س. ع/ تبوك
(18) توبة عدد من الشباب
بعد قرائتهم للجزء الأول من هذا الكتاب
رسالة وصلتني من السودان الشقيق، من شاب سوداني مسلم، منّ الله عليه بالهداية بعد قراءته للجزء الأول من هذا الكتاب.
يقول هذا الشباب في رسالته:
بسم الله الرحمن الرحيم
مرشدي إلى الصراط المستقيم.
تحية الإسلام الخالدة أبداً بإذن الله.
لقد فرغت من قراءة كتاب (العائدون إلى الله) قبيل لحظات.. قد تتعجب من استهلالية خطابي هذا.. ولكن -والله على ما أقول شهيد- إنك وبجهدك هذا، أصلحت نفسي، وقومت خلقي، فلذا أقل ما يمكن قوله تعبيراً عن امتناني، وتقديراً لصنيعك هو: (مرشدي إلى الصراط المستقيم).
وبعد هذه المقدمة التي لا أستحقها، عرفني على نفسه، ثم بدأ يذكر لي حاله قبل الهداية فقال:
كنت أتساهل في فترات الصلاة ولا أعيرها أدنى اهتمام على الرغم من الإيمان التام بأن ما أفعله ليس بصحيح، وأنني سأحاسب عليه يوم القيامة.
نعم، كنت أصلي أحياناً وأتركها أحياناً، ويمكن القول بأني كنت أعيش في ظلام دامس، ودهليز كالح، هائم على ظهر هذه البسيطة، لا أدري أين المرفأ ولا أين الطريق.. ربما هذا كله مرجعه ومرده إلى الخواء الروحي، والانحراف عن طريق الهدى، وكذلك مجالستي للغالبية العظمى من الذين افتتنوا بالحياة اللاهية العابثة، فلا همّ لهم سوى الحديث عن الليالي الحمراء، وحفلات الديسكو، والمغامرات العاطفية، وأين تسهر هذا المساء ووو.., الخ.
باختصار لم أجالس من يحرك فيّ الوازع الديني، وهذا يرجع لانشغالي بأماني النفس الكاذبة وتخرجي، والمركز المرموق بعد التخرج.
يزداد إيماني بمجرد سماعي لخطبة أو موعظة أو عند سماعي للقرآن الكريم.. ليس هذا فحسب بل أذرف الدمع لهذا، وأتفاعل تفاعلاً (لحظويّاً)، لكن سرعان ما يموت هذا الدافع الوجداني، وتتبدد تلك التفاعلات، وأعود لما كنتُ فيه من تجاهل لأمر الدين والصلاة، حتى حظيت بنسخة من كتاب (العائدون إلى الله)، أهدانيها والدي جزاه الله ألف خير، وقرأتها بكل تمعن، فوجدتُ فيها ضالتي، وعاهدت الله -عز وجل- أن أسلك الصراط المستقيم، وذلك لما فيه من دروس وعبر جمعها شخصكم الكريم لهداية أمثالي ممن يؤمنون بالإسلام إيماناً سطحياً دون تعمق وتطبيق لأحكامه وشرائعه.
ها أنذا اليوم، وبعد أن كنت أعاني من فراغ روحي، وخواء ديني، أعود إلى حظيرة الإسلام والإيمان القوي بإذن الله.
أخوك/ حامد مهدي
جامعة أم درمان الأهلية
السودان
كما تلقيتُ رسالة أخرى من السودان أيضاً، كتبها أحد الشباب يقول فيها:
أخبركَ بأني كنت من أتباع الشيطان منذ سنين عدة، ولكن الله هداني وأرجعني إلى صوابي. فلقد أهدى إلىّ أحد الخيريين هذا الكتاب (العائدون إلى الله)، فوجدت فيه مفتاح التوبة، وخرجتُ من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة، ومن نكد السيئات إلى نعيم الحسنات.
أسأل الله أن يكتبك من الصديقين والشهداء والصالحين، وأن نلتقي في جنة الفردوس.. الخ.
المخلص/ نصر الدين عبد الرحمن
السودان – الخرطوم
ومن مصر -أرض الكنانة- تلقيتُ هذه الرسالة من الشاب أحمد عزت يقول فيها:
(كنت لا أعرف غير كتب المدرسة فقط، ولذلك كنتُ في غفلة من أمري، إلى أن منّ الله عليّ بقراءة المجموعة الأولى من كتابكم (العائدون إلى الله) ، فهداني إلى سبيل الرشاد..).
ومن الإسكندرية تلقيتُ هذه الرسالة من الشاب أحمد محمد، جاء فيها:
بعد إطلاعي على رسالتكم: (العائدون إلى الله)، ومدى تأثري بها، بقراءتها وشعوري أنها خرجتْ قصصها من قلوب قائليها، وصدق جامعها، جعلتني أتأثر بها، وأقف مع نفسي كثيراً لأجدد المسير إلى الله، وأصلح ما أنا فيه بإذن الله -عز وجل-...).
هذه بعض الرسائل التي وصلت وإذا كان الله -عز وجل- بفرح بتوبة عبده إذا تاب، ويحب عباده التائبين، فنحن نحبهم كذلك لحب الله لهم، ونفرح بتوبتهم فرحاً شديداً ونقول بماء أفواهنا: اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين.
العائدون إلى الله
مجموعة من قصص التائبين ، من مشاهير
وعلماء ودعاة وغيرهم يرونها بأنفسهم
جمعها
محمد بن عبدالعزيز المسند
المجموعة الثالثة
(1) توبة الشيخ عادل الكلباني ( )
جامع الملك خالد بأم الحمام من المعالم البارزة في مدينة الرياض، مئات المصلين يقصدون هذا المسجد في رمضان وغيره، ليستمعوا إلى الشيخ عادل الكلباني (إمام المسجد) بصوته الخاشع الجميل، ونبرته الحزينة المؤثرة، وكغيره من شباب الصحوة كانت له قصة مع الهداية، يرويها لنا فيقول:
لم أكن ضالاًّ بدرجة كبيرة نعم.. كانت هناك كبائر وهفوات أرجعها إلى نفسي أولا، ثم إلى الأسرة والمجتمع.
لم يأمرني أحد بالصلاة يوماً، لم ألتحق بحلقة أحفظ فيها كتاب الله، عشتُ طفولتي كأي طفل في تلك الحقبة، لَعِبٌ ولهوٌ وتلفاز و(دنّانة) و (سيكل) ومصاقيل و (كعابة)، وتتعلق بالسيارات، ونجوب مجرى البطحاء، ونتسكع في الشوارع بعد خروجنا من المدرسة، ونسهر على التلفاز والرحلات وغيرها.
لم نكن نعرف الله إلا سَمَاعاً، ومن كانت هذه طفولته فلابدّ أن يشبّ على حب اللهو والمتعة والرحلات وغيره، وهكذا كان.
وأعتذر عن التفصيل والاسترسال، وأنتقل بكم إلى بداية التعرف على الله تعالى، ففي يوم من الأيام قمتُ بإيصال والدتي لزيارة إحدى صديقاتها لمناسبة ما -لا أذكر الآن- المهم أني ظللت أنتظر خروجها في السيارة، وأدرتُ جهاز المذياع، فوصل المؤشر –قَدَراً- إلى إذاعة القرآن الكريم، وإذ بصوت شجي حزين، يُرتل آيات وقعتْ في قلبي موقعها السديد لأني أسمعها لأول مرة: (وجاءتْ سكرةُ الموتِ بالحقّ ذلكَ مَا كنتَ منه تحيد). صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي -رحمه الله-، كان مؤثراً جداً.
صحيح أني لم أهتدي بعدها مباشرة، لكنها كانت اللبنة الأولى لهدايتي، وكانت تلك السنة سنة الموت، مات فيها عدد من العظماء والسياسيين والمغنين، وظل معي هاجس الموت حتى كدت أصاب بالجنون، أفزع من نومي، بل طار النوم من عيني، فلا أنام إلا بعد أن يبلغ الجهد مني مبلغه. أقرأ جميع الأدعية، وأفعل جميع الأسباب ولكن لا يزال الهاجس.
بدأت أحافظ على الصلاة في وقتها مع الجماعة، وكنت فيها متساهلا، ولكن كنت أهرب من الصلاة، أقطعها، خوفاً من الموت. كيف أهرب من الموت؟ كيف أحِيدُ منه؟ لم أجد إلا مفراً واحداً، أن أفرُّ إلى الله، من هو الله؟ إنه ربي.. إذن فلأتعرّف عليه.
تفكرت في القيامة.. في الحشر والنشر.. في السماء ذات البروج.. في الشمس وضحاها.. في القمرِ إذا تلاها، وكنت أقرأ كثيراً علماً بأني كنتُ محباً لكتاب الله حتى وأنا في الضلالة.. ربما تستغربون أني حفظتُ بعض السور في مكان لا يُذكر بالله أبداً.
عشتُ هذه الفترة العصيبة التي بلغت سنين عدداً حتـى شمَّرت عن ساعد الجدِّ، ورأيت -فعلاً- أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن الموت آت لا ريب فيه، فليكن المرء منا مستعداً لهـذا: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنت مسلمون). تفكروا –إخواني- في هذه الآية ترَوا عجباً، تفكروا في كل ما حولكم من آيات الله، وفي أنفسكم، أفلا تبصرون؟ عقلاً ستدركون أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.. فكيف –إذن- يكون الحل؟.. أن نعود إلى الله، أن نتوب إليه، أن نعمل بطاعته.
المهم أني عدت إلى الله، وأحببت كلامه سبحانه، ومع بداية الهداية بدأ ارتباطي الحقيقي بكتاب الله العظيم، كنتُ كلما صليتُ خلف إمام أعجبتني قراءته أو الآيات التي قرأها، أعود مباشرة إلى البيت لأحفظها، ثم عُيِّنتُ إماماً بجامع صلاح الدين بالسليمانية، وصليت بالناس في رمضان صلاة التراويح لعام 1405هـ نظراً من المصحف، وبعد انتهاء الشهر عاهدتُ الله ثم نفسي أن أحفظ القرآن وأقرأه عن ظهر قلب في العام القادم بحول الله وقوته، وتحقق ذلك، فقد وضعت لنفسي جدولاً لحفظ القرآن بدأ من فجر العاشر من شهر شوال من ذلك العام، واستمر حتى منتصف شهر جماد الآخرة من العـام الذي بعده (1406هـ)، في هذه الفترة أتممت حفظ كتاب الله -ولله الحمد والمنة -.
وقد كانت (نومة بعد الفجر) عائقاً كبيراً في طريقي آنذاك، كنت لا أستطيع تركها إطلاقاً إلى أن أعانني الله، وعالجتها بالجد والمثابرة والمصابرة، حتى أني كنت أنام -أحيانا- والمصحف على صدري، ومع الإصرار والمجاهدة أصبحت الآن لا أستطيع النوم بعد صلاة الفجر إطلاقاً.
ثم وفقني الله فعرضت المصحف على شيخي فضيلة الشيخ أحمد مصطفى أبو حسين المـدرس بكلية أصول الديـن بالرياض، وفرغت من ذلك يوم الثلاثاء 19رمضان 1407هـ، وكتب لي الشيخ إجازة بسندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، برواية حفص عن عاصم، ولعل الله أن يوفقني لإتمام العشر بحوله وقوته.
هذه قصتي مع القرآن ونصيحتي لكل من يريد أن يحفظ القرآن أن يحفظ القرآن.
وكلمة في ذيل القصة أشير فيها إلى مسئولية الأسرة في تربية الابن، ومسئولية المجتمع، ومسئولية الفرد نفسه، في التفكر والبحث عن الحقيقة والعمل بها.
ثم أشير إلى أهمية كتاب الله، هذا الكتاب العظيم الذي يطبع بالملايين، وتصدر التسجيلات الإسلامية مئات الأشرطة منه.. تريدون الخير في الدنيا عليكم به، تريدون الخير في الآخرة عليكم به.. فوالله الذي رفع السماوات بغير عَمَدٍ لا أجد في شخصي شيئاً أستحق به أن أصدّر في المجالس، أو أن يشار إليّ ببنان مسلم، أو أن يحبني شخص وهو لم يَرَني… إلا بفضل كتاب الله عليّ.. ما أهون هذا العبد الأسود على الناس لولا كتاب الله بين جنبيه.. وكلما تذكرت هذا لا أملك دمعة حَرَّى تسيل على مُقْلَتي فألجأ إلى الله داعياً أن يكون هذا القرآن أنيساً لي يوم أموت، وحين أوسَّد في التراب دفيناً، وحين أُبعث من قبري إلى العرض على ربي.
أرجوه -جلت قدرته- أن يقال لي: اقرأ وارق، ورتّل كما كنت تُرتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها.
وأسأله -جلت قدرته- أن أكون مع السّفرَة الكرام البَررة، وأن يجعل حب الناس لي عنوان محبته، ورفعهم لي رفعة لدرجتي في الجنة إنه جواد كريم.
ثم اسمعوا ما قاله القحطاني رحمه الله في نونيته:
أنت الـذي أدنيتـني وحبوتــني وهديـتني من حيـرة الخـــذلان
وزرعت لي بين القلـوب محبــةً والعطـف منك برحمــة وحنـان
ونشـرت لي في العالمين محاسنــاً وسترت عن أبصـارهم عصيـانـي
وجعلت ذكـري في البريـة شائعاً حتـى جعلت جميعهـم إخـوانـي
والله لـو علمـوا قبيـح سريرتي لأبـى السلام علي من يلقــانـي
ولأعـرضوا عنـي وملَوا صُحبتي ولبـُؤت بعـد قرابــة بهــوانٍ
لكن سترت معايبـي ومثـالــي وحَلِمـت عن سقطـي وعن طغياني
فلك المحامـد والمـدائح كلهــا بخـواطري وجـوارحي ولســاني
أخوكم
العبد الفقير إلى رحمة ربه المنان
أبو عبد الله عادل بن سالم الكلباني
(2) توبة اللاعب عبد الله عبد ربه
طالما صفقت له الجماهير.
وطالما اهتزت من قذائفه الشباك.
وطالما عرفته الملاعب.. وأتعب خصومه وسبب لهم المتاعب إنه اللاعب (سابقاً) والداعية حالياً: عبد الله عبد ربه.
قابلته في مجلس من مجالس العلم والإيمان فطلبت منه أن يحدثني عن رحلته إلى الهداية فقال:
(نشأت –كغيري- في بيت من بيوت المسلمين .. والدي -رحمه الله- كان على جانب كبير من التدين والتمسك بالقيم والأخلاق السامية، وكذلك والدتي -رحمها الله تعالى- فكان لذلك أثر كبير في استقامتي ورجوعي إلى الله فيما بعد.
ولما بلغت سن المراهقة كنت أقضي معظم نهاري في الشارع مع زملائي في ممارسة هوايتي المفضلة: كرة القدم:
كنت أحلم -كغيري من الشباب في تلك السن- أن أكون لاعباً مشهوراً تصفق له الجماهير وتهتف باسمه الجموع.. وقد تحقق ذلك الحلم، ففي عام 1397هـ سجلت اسمي في كشوفات نادي النصر بالرياض، وشاركتُ في عدد من المباريات الهامة للنادي حتى عرفتني الجماهير، وكتبتْ عني الصحف والمجلات، وبدأت أشق طريقي نحو الشهر.. ولا أخفيكم أنني شعرت –حينذاك- بشيء من الغرور والاعتزاز، إلا أني في الوقت نفسه كنت أشعر بالاكتئاب والقلق ولا أدري ما السبب؟
وبعد سنوات قليلة تم اختياري لأكون لاعباً في المنتخب، فكانت خطوة أخرى نحو مزيد من الشهرة، لا على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى العربي والعالمي، وهذا ما حدث.
ظللت على هذه الحال عدة سنوات، فبدأت أشعر بشيء من الملل، وأعاني من فراغ نفسي قاتل، وأحسست بأنني بحاجة شديدة إلى شيء ما أملأ هذا الفراغ، الذي كنت أعانيه، ففكرت في ترك الكرة والابتعاد عن الأجواء الرياضية.. ولزمت بيتي فترة من الزمن، وعلى الرغم من محافظتي على الصلوات المفروضة، إلا أنها كانت صلوات جافة، لا ورح فيها ولا خشوع.. كانت بالنسبة لي أشبه بالحركات الرياضية التي كنت أؤديها في المعسكر وأثناء التمارين إلى أن جاءت ساعة الهداية.
ففي يوم من الأيام زارني الأخ منصور بشير -بارك الله فيه- ومعه أحد الاخوة الصالحين، وقال لي كلاماً أيقظني من الغفلة التي كنت أعيشها، وأخبرني بأن السعادة الحقيقية والطمأنينة والراحة في الرجوع إلى الله، والتمسك بحبله المتين.. في مجالسة الصالحين وحضور مجالس العلم والذكر: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
ومن تلك اللحظة استمعت إلى نصيحة أخي -وفقه الله- وتعرفت على بعض أهل الخير وطلاب العلم، فأحسست بسعادة عظيمة تغمرني لا أستطيع لها وصفاً، وندمت على أيام خلت قضيتها بعيداً عن خالقي - عز وجل-.
ونصيحتي أخواني اللاعبين وغيرهم أن يتمسكوا بهذا الدين العظيم، وأن يعودوا إلى ربهم وخالقهم، وهذا لا يتعارض مع الرياضة ولعب الكرة، فالإسلام حث على بناء الأجسام وتقويتها، ولكن لا نجعل ذلك غاية نحب من أجله ونبغض من أجله، ويكن هو همنا الشاغل، بل وسيلة إلى كسب رضا الله، والوصول إلى جنته.
وإنني أدعو جميع اللاعبين أن يكونوا قدوة لشبابنا الحائر، وخير سفير لبلادنا في الخارج، ولو فعلوا ذلك لدخل كثير من الكفار في دين الله أفواجاً، لعرفوا عظمة هذا الدين المتمثل في سلوك أبنائه ومعتنقيه.
(3) توبة الممثل المغربي المشهور سعيد الزياني( )
في مكة أم القرى، شرفها الله ومن جوار بيت الله الحرام، وفي العشر الأخيرة من رمضان، حدثنا الممثل سابقاً، والداعية حالياً، الأخ سعيد الزياني عن قصة رجوعه إلى الله، وهدايته إلى الطريق المستقيم، فقال:
نشأت في بيت من بيوت المسلمين، ولما بلغتُ من المراهقة كنتُ أحلم -كما كان يحلم غيري من الشباب المراهق- بتحقيق شيئين مهمين في نظري آنذاك، وهما: الشهرة والمال، فقد كنت أبحث عن السعادة وأسعى إلى الحصول عليها بأية طريقة كانت.
في بداية الأمر،. التحقتُ بالإذاعة المغربية، وشاركتُ في تقديم بعض الفقرات التي تربط بين البرامج، ثم تقدمت فأصبحت أقدّم برامج خاصة حتى اكتسبتُ خبرة في هذا المجال، ثم اتجهت إلى التلفزيـون وتدرجت فيه حتى أصبحت مقدماً من الدرجة الأولى -وهي أعلى درجة يحصل عليها مذيع أو مقدم- وأصبحت أقدِّم نشرات الأخبار، والكثير من برامج السهرة والمنوعات وبرامج الشباب، واشتهرت شهرة كبيرة لم يسبقني إليها أحد، وأصبح اسمي على كل لسان، وصوتي يُسمع في كل بيت.
وعلى الرغم من هذه الشهرة إلا أني كنت غير سعيد بهذا.. كنت أشعر بضيق شديد في صدري، فقلت في نفسي لعلي أجد السعادة في الغناء.. وبالفعل، فقد ساعدتني شهرتي في الإذاعة والتلفزيون أن أقدم من خلال أحد البرامج التلفزيونية أغنية قصيرة كانت هي البداية لدخول عالم الغناء.
ودخلتُ عالم الغناء، وحققت شهرة كبيرة في هذا المجال، ونَزَل إلى الأسواق العديد بل الآلاف من الأشرطة الغنائية التي سجلتها بصوتي.
وعلى الرغم من ذلك كله كنت أشعر بالتعاسة والشقاء، وأحس بالملل وضيق الصدر، وصدق الله إذ يقول: (فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يُضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعّدُ في السماء).
فقلت في نفسي: إن السعداء هم الممثلون والممثلات، فأردتُّ أن أشاركهم في تلك السعادة، فاتجهت إلى التمثيل، وأصبحت ممثلاً من الدرجة الأولى، فكنت لا أمثل إلا أدوار البطولة في جميع الأعمال التي أقدمها.. والحقيقة ودون مبالغة أصبحت شخصاً متميزاً في بلدي، فلا أركب إلا أغلى السيارات وأفخمها، ولا ألبس إلا الملابس الثمينة.. مكانتي الاجتماعية أصبحت راقية، فأصدقائي هم كبار الشخصيات من الأمراء وغيرهم، فكنت أنتقل بين القصور، من قصر إلى قصر، وتُفتح لي الأبواب وكأني صاحب تلك القصور.
ولكن.. وعلى الرغم من ذلك كله، كنت أشعر بأني لم أصل إلى السعادة التي أبحث عنها.
وفي يوم من الأيام.. أجرى معي أحد الصحفيين لقاء صحفياً طويلا، وكان من بين الأسئلة التي وجهها إليّ هذا السؤال: (الفنان سعيد الزياني.. من المصادفات أن اسمك ينطبق على حياتك.. فاسمك سعيد، ما تقول في ذلك؟
وكان الجواب:
(في الحقيقة أن ما تعتقده ويعتقده كثير من الناس غير صحيح، فأنا لستُ سعيداً في حياتي، واسمي في الحقيقة لايزال ناقصاً، فهو يتكون من ثلاثة أحرف وهي: س، ع، ي: (سعي)، وأنا ما زلت أسعى، أبحث عن الحرف الأخير، وهو حرف (الدال) ليكتمل اسمي وتكتمل سعادتي، وإلى الآن لم أجده، وحين أجده سوف أخبرك).
وقد أجري معي هذا اللقاء وأنا في قمة شهرتي وثرائي.. ومرت الأيام والشهور والأعوام.. وكان لي شقيق يكبرني سناً، هاجر إلى بلجيكا.. كان إنساناً عادياً إلا أنه كان أكثر مني التزاماً واستقامة، وهناك في بلجيكا التقى ببعض الدعاة المسلمين فتأثر بهم وعاد إلى الله على أيديهم.
فكرتُ في القيام برحلة سياحية إلى بلجيكا أزور فيها أخي فأمر عليه مرور الكرام، ثم أواصل رحلتي إلى مختلف بلاد العالم.
سافرت إلى بلجيكا، والتقيتُ بأخي هناك، ولكني فوجئت بهيئته المتغيرة، وحياته المختلفة، والأهم من ذلك، السعادة التي كانت تشع في بيته وحياته، وتأثرتُ كثيراً بما رأيتُ، إضافةً إلى العلاقات الوثيقة التي تربط بين الشباب المسلم في تلك المدينة، وقد قابلوني بالأحضان، ورحّبوا بي أجمل ترحيب، ووجهوا لي الدعوة لحضور مجالسهم واجتماعاتهم والتعرف عليهم بصورة قوية.
أجبت الدعوة، وكنت أشعر بشعور غريب وأنا أجلس معهم، كنتُ أشعر بسعادة عظيمة تغمرني لم أشعر بها من قبل، ومع مرور الأيام قمتُ بتمديد إجازتي لكي تستمر هذه السعادة التي طالما بحثتُ عنها فلم أجدها.
وهكذا.. كنت أشعر بالسعادة مع هؤلاء الأخيار تزداد يوماً بعد يوم، والضيق والهم والشقاء يتناقص يوماً بعد يوم.. حتى امتلأ صدري بنور الإيمان، وعرفتُ الطريق إلى الله الذي كنت قد ضللت عنه مع ما كنت أملكه من المال والثراء والشهرة، وأدركت من تلك اللحظة أن السعادة ليست في ذلك المتاع الزائل، إنما هي في طاعة الله عز وجل: (مَنْ عمل صالحاً منْ ذكرٍ أو أنثى وَهُو مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِينّه حياةً طيبةً ولَنَجْزِينَّهُمْ أجْرَهُمْ بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعمَلُوْنَ). (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى). امتدت إجازتي عند أخي أكثر من سنتين، وأرسلتُ رسالة إلى الصحفي الذي سألني السؤال السابق، وقلت له:
الأخ........ رئيس تحرير صحيفة......... في جريدة..........
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، .. أود أن أذكّرك بالسؤال الذي سألتني فيه عن السعادة، وذلك في يوم....... وتاريخ........ وقد أجبت بالجواب التالي:....... ووعدتك أن أخبرك متى ما وجدت حرف (الدال)، والآن: يطيب لي ويسعدني ويشرفني أن أخبرك بأني قد وجدتُ حرف الدال المُتمم لاسمي حيث وجدته في الدين والدعوة.. وأصبحت الآن (سيعد) حقاً.
شاع الخبر بين الناس، وبدأ أعداء الدين والمنافقون يطلقون عليّ الإشاعات، ويرمونني بالتهم، ومنهم من قال: إنه أصبح عميلاً لأمريكا أو لروسيا... إلى غير ذلك من الإشاعات المغرضة.. كنتُ أستمعُ إلى هذه الإشاعات فأتذكر دائماً ما قوبل به الأنبياء والرسل والدعاة على مرّ العصور والدهور، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام -رضي الله عنهم أجمعين- فازداد ثباتاً وإيماناً ويقيناً، وأدعو الله دائماً: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهَبْ لنَا منْ لّدنك رحمة إنّك أنتَ الوَّهاب).
(4) توبة الممثلة هالة فؤاد ( )
(أرى أنني ارتكبت معصية وخطأ كبيراً في حق ربي وديني، وعلى هذا الأساس أتمنى أن يغفر الله لي ويسامحني).
هذا ما قالته الممثلة (سابقاً) هالة فؤاد بعد توبتها واعتزالها الفن، وارتدائها الحجاب، وإعلانها التفرغ التام لرعاية زوجها وأولادها وبيتها، تروي قصتها فتقول:
(منذ صغري وبداخلي شعور قوي يدفعني إلى تعاليم الدين، والتمسك بالقيم والأخلاق الحميدة، وبالتحديد: عندما كنت في المرحلة الإعدادية.
كنت لا أحب حياة الأضواء، أو الظهور في المجتمعات الفنية، وكانت سعادتي الكبرى أن أظل داخل منزلي، ولكن النفس الأمارة بالسوء والنظر إلى الآخرين وتلك التبريرات الشيطانية كانت وراء اتجاهي لهذا الطريق ( ).
وشاء الله سبحانه وتعالى أن يبتليني بمصيبة أعادتني إلى فطرتي، وتبين لي من خلالها الضلال من الهدى، في لحظ كنت فيها قاب قوسين أو أدنى من الموت، وذلك أثناء عملية الولادة الأخيرة، حيث سدت المشيمة عنق الرحم، وكان الأطباء يستخدمون معي الطلق الصناعي قبل الولادة بثلاثة أيام، وحدث نزيف شديد هدد حياتي بخطر كبير، فأجريت لي عملية قيصرية، وبعد العملية ظللت أعاني من الآلام، وفي اليوم السابع، الذي كان من المفروض أن أغادر فيه المستشفى، فوجئت بألم شديد في رجلي اليمنى، وحدث ورم ضخم، وتغير لونها، وقال لي الأطباء: إنني أصبحت بجلطة.
وأنا في هذه الظروف شعر بإحساس داخلي يقول لي: إن الله لن يرضى عنكِ ويشفيك إلا إذا اعتزلت التمثيل، لأنك في داخلك مقتنعة أن هذا التمثيل حرام، ولكنك تزينينه لنفسك، والنفس أمّارة بالسوء، ثم إنك في النهاية متمسكة بشيء لن ينفعك.
أزعجني هذا الشعور، لأنني أحب التمثيل جداً، وكنت أظن أني لا أستطيع الحياة بدونه، وفي نفس الوقت خفت أن أتخذ خطوة الاعتزال ثم أتراجع عنها مرة أخرى، فيكون عذابي شديداً.
المهم عدتُّ إلى بيتي، وبدأت أتماثل للشفاء، والحمد لله، رجلي اليمنى بدأ يطرأ عليها تحسن كبير، ثم فجأة وبدون إنذار انتقلت الآلام إلى رجلي اليسرى، وقد شعرت قبل ذلك بآلام في ظهري، ونصحني الأطباء بعمل علاج طبيعي، لأن عضلاتي أصابها الارتخاء نتيجة لرقادي على السرير، وكانت دهشتي أن تنتقل الجلطة إلى القدم اليسرى بصورة أشد وأقوى من الجلطة الأولى.
كتب لي الطبيب دواء، وكان قوياً جداً، وشعرت بآلام شديدة جداً في جسمي، واستخدم معي أيضاً حقناً أخرى شديدة لعلاج هذه الجلطة في الشرايين، ولم أشعر بتحسن، وازدادت حالتي سوءاً، وهنا شعرت بهبوط حاد، وضاعت أنفاسي، وشاهدت كل من حولي في صورة باهتة، وفجأة سمعت من يقول لي قولي: (لا إله إلا الله) لأنك تلفظين أنفاسك الأخيرة الآن، فقلت: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله).
نطقتُ الشهادة، وفي هذه اللحظة تحدثتُ مع نفسي وقلتُ لها: سوف تنـزلين القبر، وترحلين إلى الله والدار الآخرة، فكيف تقابلين الله، وأنت لم تمتثلي لأوامره، وقضيتِ حياتك بالتبرج، والوقوف في مواقف الفتنة من خلال العمل بالتمثيل؟ ماذا ستقولين عند الحساب؟ هل ستقولين إن الشيطان قد هزمني.
نعم، لقد رأيت الموت فعلاً، ولكن للأسف، كلنا نتناسى لحظ الموت، ولو تذكر كل إنسان تلك اللحظة فسوف يعمل ليوم الحساب، يجب أن نتثقف دينياً حتى لا نكون مسلمين بالوراثة، ويجب أن نتعمق في دراسة القرآن والسنة والفقه، وللأسف فإننا نعاني من (أمية دينية)، ولابدّ من تكاتف كل الجهات لتثقيف المجتمع دينياً، ولن يتم ذلك من خلال تقديم برنامج واحد أو برنامجين.
وباختصار، قمت بمحاكمة سريعة لنفسي في تلك اللحظات ثم شعرت فجأة بأنني أسترد أنفاسي، وبدأت أرى كل من يقف بوضوح تام.. أصبح وجه زوجي شديد الاحمرار، وبكى بشدة، وأصبح والدي في حالة يُرثى لها، أما والدتي فقد قامت في ركن من الحجرة تصل وتدعو الله.
سألت الطبيب: ماذا حدث؟!
قال: (احمدي ربنا، لقد كُتب لك عُمر جديد).
بدأت أفكر في هذه الحادثة التي حدثتْ لي وأذهلتِ الأطباء بالإضافة إلى من حولي... فكرت في الحياة كم هي قصيرة، ولا تستحق منا كل هذا الاهتمام، فقررت أن أرتدي الحجاب وأكون في خدمة بيتي وأولادي، والتفرغ لتنشئتهم النشأة الصحيحة، وهذه أعظم الرسالات).
وهكذا عادت هالة إلى ربها، وأعلنت قرارها الأخير باعتزال مهنة التمثيل، تلك المهنة المهينة التي تجعل من المرأة دمية رخيصة يتلاعب بها أصحاب الشهوات وعبيد الدنيا، إلا أن هذا القرار لم يَرق لكثير من أولئك التجار (تجار الجنس) فاتهموها بالجنون، وأنها إنما تركت التمثيل بسبب المرض وعجزها عن المواصلة، فترد على هؤلاء وتقول:
(إن هناك في (عالم الفن) مَن هم أكثر مني (نجومية)!! شهرةً، وقد تعرضوا لتجارب أقسى كثيراً مما تعرضتُ له، ولكنهم لم يتخذوا نفس القرار).
ثم تضيف: (والغريب أن الوسط الفني) قد انقسم أمام قراري هذا إلى قسمين: فالبعض قدم لي التهنئة، والبعض الآخر اتهموني بالجنون، فإذا كان الامتثال لأوامر الله جنوناً، فلا أملك إلا أن أدعو لهم جميعاً بالجنون الذي أنا فيه).
وفي معرض حديثها عن حاله قبل التوبة، وموقفها من زميلاتها اللاتي سبقنها إلى التوبة والالتزام تقول:
(لقد كنت أشعر بمودة لكل الزميلات اللاتي اتخذن مثل هذا القرار، كهناء ثروت، وميرفت الجندي... وكنت أدعو الله أن يشرح لما يحب، وأن يغلقه عما لا يحب، وقد استجاب الله دعائي وشرح صدري لما يحب).
وفي ختام حديثها تقول:
(هالة فؤاد الممثلة توفيت إلى غير رجعة، وهالة فؤاد الموجودة حالياً لا علاقة لها بالإنسانة التي رحلت عن دنيانا).
هذه هي قصة الممثلة هالة فؤاد مع الهداية كما ترويها بنفسها، ونحن بانتظار المزيد من العائدين إلى الله من (الفنانين) وغيرهم، اللاحقين بركب الإيمان قبل فوات الأوان، فمن العائد الجديد يا ترى؟؟
(5) توبة مفحط مشهور ( )
(يا شباب الإسلام: لن تجدوا السعادة في التفحيط، ولا في السفر والمخدرات، لن تجدوها أو تشموا رائحتها إلا في الالتزام والاستقامة على دين الله).
هذا ما قاله المفحط المشهور سابقاً... (أبو خالد) بعد أن منّ الله عليه بالهداية، بعد رحلة طويلة مؤلمة، مليئة بالعجائب والمغامرات، يحدثنا عنها فيقول:
أنا شاب نشأت في بيت محافظ نوعاً ما، كنت متفوقاً في دراستي، وفي بداية المرحلة الثانوية حاول مجموعة من الشباب الصالحين في لمدرسة ضمي إليهم أنا وصديق لي خوفاً علينا من رفقاء السوء، ونظراً لصغر سني، وجهلي بما ينفعني، رفضت الانضمام إليهم، وكنت أحاول التهرب منهم، ومن الطبيعي أن يتلقفني رفقاء السوء، وما أكثرهم في هذا الزمان، وفي كل زمان، ومما زاد الأمر خطورةً أن والدي -عفا الله عنه- اشترى لي سيارةً، وإنني -بهذه المناسبة- أذكّر الآباء وأولياء الأمور بأن يتقوا الله في أولادهم، وألا يهيئوا لهم أسباب الفساد والانحراف، ومنها السيّارة ،لاسيما من كانوا في سن المراهقة، فهذه نصيحة مجرب، وفي المثل: (أسأل مجرب ولا تسأل حكيم).
المهم: تطورت الأمور، واشترى لي أبي سيارة جديدة، وازداد عدد الشلة (شلة المصالح)، ورسبت سنتين متتاليتين في السنة الأولى من المرحلة الثانوية بسبب الهروب المستمر من المدرسة.
وفي تلك السنة كانت ظاهرة التفحيط قد بلغت أوج قوتها وانتشارها، فتعلمت التفحيط على أيدي رفقاء السوء، وأنا حين أذكر التفحيط، أذكر ما يُجر إليه من مشكلات ومصائب (مخدرات، سرقات، فواحش... الخ) فكما أن الخمر أم الخبائث، فالتفحيط هو أبوها، ولكن بحمد الله وفضله، ثم بفضل أبي وإخواني الذين أفاقوا من سباتهم وانتبهوا لي حيث سارع أحد إخواني بنقلي إلى مدرسة أخرى، فبدأت أهتم بالدراسة نوعاً مّا، وابتعدتُ عن كثير من الخبائث التي تصاحب التفحيط، كالمخدرات وغيرها، وإن كنت مصراً على التفحيط ومعاصٍ أخرى، أسأل الله عفوه ومغفرته.
واصلت مسيرتي في التفحيط حتى أصبحتُ رمزاً من رموزه المشهورين الذين يشار إليها بالبنان، وكثر حولي الأصدقاء والمحبون والمعجبون!! حتى الأموال والسيارات كنت أستطيع أن أحصل عليها بكل يسر وسهولة عن طريق المعجبين!!
ولكني مع هذا كله، لم أجد السعادة التي كنتُ أبحث عنها، أبتسمُ وأضحكُ في نهاري، وفي الليل أبكي وأحزن على واقعي الأليم، كنت أشعر أن بداخلي منادياً يناديني يقول:
(هذه ليست رسالتك في الحياة)، فإذا خرجتُ من المنزل، أجد التشجيع والتبجيل والتعظيم، فضلاً عن تضليل الشيطان وكيده، فأتجاهل ذلك المنادي الصارم.
وإني اليوم أوجه هذا السؤال لكل شاب ملتزم: أين أنتم عنا وعن أمثالنا؟ لماذا تركتمونا نتخبط في ذلك الوقت العصيب؟ ألا تزكون علمكم؟ ألا تشكرون نعمة الله عليكم بالهداية فتهدون غيركم؟.
نعم أين أنتم من الشباب الضائع؟ والله لا أذكر أن أحداً من الصالحين جاء لمناصحتي وإنقاذي من ذلك الضلال والضياع إلا رفيقاً سابقاً منّ الله عليه بالهداية فحاول نصحي وهدايتي.
المهم أني واصلت دراستي باجتهاد وتخرجتُ من الثانوية بتقدير (جيد) مع إصراري على التفحيط حتى أن رجال المرور لما جاءوا يبحثون عني في المدرسة تعجب المدير، وقال: إن هذا الطالب من أحسن الطلاب خلقاً وحضوراً.
وانتقلتُ إلى المرحلة الجامعية، والتحقت بالجامعة، وكان قريب لي يدرس في أمريكا يضغط عليّ لإكمال دراستي هناك عنده فكنتُ أرفض بشدة، فما زال منادي الخير يناديني ويذكرني بالله، ولكن موعد الهداية لم يحن بعد.
اتسعت شهرتي كمفحط، حتى إن بعض الصحفيين جاءني ليجري معي مقابلة صحفية فرفضت، لأنني كنت أشعر في قرارة نفسي بأني أسير في طريق خاطئ.
لماذا يجري معي مقابلة صحفية؟ هل أنا من العلماء والدعاة الذين نذروا أنفسهم، وجعلوها وقفاً له سبحانه؟ أم أنا من المجاهدين في سبيله؟ ماذا قدمت لديني وأمتي؟
ولكن هذه حال كثير من كتّاب صحفنا ومجلاتنا – وللأسف الشديد – إنهم يتجاهلون أموراً عظيمة، وقضايا حساسة، ويجرون خلف أمور تافهة هامشية بغرض الإثارة، وترويج بضاعتهم على حساب أوقات الناس وعقولهم.
وتطورت الأمور، وأصبحت أملك سيارة خاصة للتفحيط، حصلت على ثمنها من طريق بعض المعجبين ومن طريق الحرام، ولا عجب، فالتفحيط يجرّ إلى أكبر من ذلك.
وفي تلك الفترة التي بلغت فيها قمة الشهرة، -قدّر الله جلّ وعلا- وتوفي صديق لي -وهو من كبار المفحطين -بحادث انقلاب، فثبتُ واستقمتُ أياماً قليلا، ثم عدتُّ إلى ما كنتُ عليه وكأن شيئاً لم يكن.
ثم إني وجدتُّ (شلة) متطورة ومتخضرة -كما يدّعون- (شلة بانكوك ومانيلا)، وبدأت أسافر إلى الخارج، أطلب السعادة في أحضان المومسات ( ) وشرب المسكرات، ولكن القضية هي هي: سكر وضحك وفرح في الليل، وهمّ وغمّ وحزن في النهار، قال تعالى: (ومن أعرضَ عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى).
وقد كنتُ في أيام الدراسة الجامعية تعرفتُ على شاب أصغر مني سناً، فكانت علاقتنا تزداد مع الأيام حتى أننا لا نستطيع الافتراق أكثر من أسبوع، ولم تكن تلك الصداقة لله، وإنما للتعاون على الإثم والعدوان، مع أنها لا تخلو من بعض الخير.
وفي السنة الثالثة من المرحلة الجامعية، بدأ منادي الخير يقوي في قلبي ويذكرني ببعض أصدقائي الذين منّ الله عليهم بالهداية فبدءوا يتعهدونني بالزيارة والنصيحة، ومن جهة أخرى، أشرق في بيتنا نور جديد، وغرّد داع للهدى، فأختي بدأت في طريق الالتزام، فبدأت تناصحني وترغبني في الهداية.
ووالله يا أحبة لقد كان المنادي يقوى، والظروف تتحسن من حولي، ولكنّ موعد الهداية لم يحن بعد.
وفي ذلك العام ذهبتُ بالأهل إلى مكة في شهر رمضان المبارك، وفي العشر الأواخر من رمضان عشتُ حياة جديدة أقلعتُ فيها عن كثير من المعاصي، واستبدلتُ بالدخان السواك، وبالأغاني القرآن، وحافظتُ على صلاة التراويح والقيام والرفقة الطيبة.
هذه هي السعادة الحقيقية، التي أبحثُ عنها طوال عمري، حياة نقية، طاهرة زكية، ما أحلاها من لذة عندما تشعر أنك تنتصر على نفسك الأمّارة بالسوء، وتدحض الشيطان، وترضي الرحمن.
قد تظنونها النهاية، لا والله، فما زال موعد الهداية لم يحن بعد.
عدتُ إلى الرياض وأنا عازم على السير في تلك الطريق، وكنتُ في المسجد الحرام أدعو ربي وأسأله أحد أمرين: إما أن يفتح على قلب صاحبي فيصحبني في هذا الطريق، أو أن يفرق بيننا، واستجاب الله -عز وجل- لدعائي، فبعد يوم واحد من لقائي بصاحبي حدث بيننا خلاف، وكان الفراق، ولكن -ويا للأسف- لم أجد البديل من الرفقاء الصالحين.
وأقبلت الامتحانات، فبدأتُ بالمذاكرة، وكنتُ محافظاً على الصلاة مقلعاً عن الكبائر، مقيماً على الصغائر، فدعاني قريبي الذي يدرس في أمريكا مرةً ثانيةً للذهاب إليه في الصيف، وتعلّم اللغة الإنجليزية هناك لصعوبتها عليّ في الجامعة، فقلت في نفسي: هذه فرصة سانحة لأبتعد عن الجو الذي أعيش فيه ثم أعود بعد زمن، وأسلك الطريق المستقيم. ولكن أبى الله -عز وجل- إلا أن يتم أمره ومشيته، ففي يوم من الأيام الاختبارات دخلت قاعة الامتحان وقد نسيتُ في جيبي ورقة تتعلق بمادة الاختبار، وبعد ساعة من الزمن، لمح المراقب تلك الورقة، فأدخل يده في جيبي، وأخرجها ثم سجّل عليّ محضراً بالغش ومن ثم حرماني من دخول الامتحان في المواد المتبقية، وعندها شعرت بالظلم، وأظلمتْ الدنيا في عيني، وظننتُ أن ذلك شرٌ لي ولكن الله لا يقضي إلا خيراً، وإن كان بالنسبة لنا قد يكون شراً، فالشر المحض لا ينسب إلى الله أبداً.
خرجتُ من قاعة الامتحان غاضباً مهموماً، وانطلقتُ أبحث عما يزيل عني ذلك الهم، فانهمكتُ في سماع الغناء ومشاهدة الأفلام والمباريات وشرب الدخان، فلم أزدد إلا همّاً على هم.
كانت تلك الحادثة يوم السبت، ورحلتي إلى أمريكا يوم الأربعاء، وفي مساء السبت جاء الفرج من الله، وتنزلت رحمته، وكان موعدي مع الطهر والنقاء، والسعادة والطمأنينة، والاستجابة الحقيقية لداعي الله -عز وجل- فبينما أتناول طعام العشاء في أحد المطاعم إذ بداعي الخير يناديني مرة أخرى، ولكن في الليلة بقوة وإلحاح، يقول لي: أتذهب إلى بلاد الكفر تجالس المومسات وتتعاطى المسكرات، كيف لو أتاك هادم اللذات ومفرّق الجماعات وأنت على هذه الحال، أما أن لك أن تعود إلى طريق الاستقامة؟
فخرجت من المطعم كالتائه الذي يبحث عن أهله، وكالأم التي تبحث عن ولدها، وكالمريض الذي يبحث عن علاجه.. فركبت سيارتي، وانطلقتُ أهيم على وجهي من شارع إلى شارع، وفتحتُ درج سيارتي فوجدتُ شريطاً للشيخ محمد المحيسني -جزاه الله عني كل خير- كان هذا الشريط قد أهدي إلىّ من قبل أحد الأصدقاء، فاستمعتُ إلى قراءة الشيخ وكان يقرأ بخشوع ويبكي، والناس من وراءه يبكون، فلم أتمالك نفسي من البكاء، فقد نزلتْ هذه الآيات على قلبي وكأني أسمعها لأول مرة.
بكيتُ بكاءً مرّاً، ثم أوقفت سيارتي على جانب الطريق، وأخرجت علبة (السجائر) وأشرطة اللهو والباطل، وأعدمتها بدون محاكمة، واعتزمت على التوبة النصوح والاستقامة على دين الله، وأن أكون داعية خير بعد أن كنت داعية شر وفساد.
عدتُّ إلى البيت، فاستقبلني أبي، ولاحظ على وجهي تغيراً وخشوعاً ونوراً فاحتضنني وضمني إلى صدره، فبكيتُ بين يديه، واعتذرتُ له عمّا سببته له هو ووالدتي وإخواني من مصائب ومشكلات، ففرحوا بتوبتي فرحاً شديداً.
وبعد التوبة كان من الطبيعي أن يضاعف الشيطان جهوده ويكلف أولياؤه وجنده من الجن والإنس بالعمل -ولو (خارج دوام)- من أجل إضلالي وإعادتي إلى مدرسته، ولكن الله -سبحانه- ثبتني فـواجهت تعنيف الشيطان من داخلي وهو يقول لي: لِمَ لم تذهب -يا غبي- إلى الخارج حيث الحرية ( ) والانطلاق..، ولكني كنت قد قطعتُ على نفسي خط الرجعة، فأول مكان ذهبت إليه بعد توبتي هو محل الحلاقة حيث أزلتُ شعر رأسي بالكلية، حتى صديق العزيز لم أستجب له وقد جاءني يذكرني بالأيام الماضية من حياتي، ويرغبني فيها، وصبرتُ على الغم والهم والحزن الذي أصابني في بداية الأمر حتى استحال ذلك وانقلب إلى سرور وطمأنينة وراحة بال.
وصدق الإمام ابن القيم -رحمه الله- حين قال: (إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد، مَن تركها لغير الله، أما من تركها صادقاً مخلصاً من قبله لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة، ليُمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلاُ استحالت لذة...( )
وتعرفت على مجموعة من الشباب الأخيار، وازداد إيماني بالله ويقيني به سبحانه، وتفضل الله عليّ بمنة أخرى ألا وهي هداية صديقي العزيز على يديّ.
وفي ختام حديثي، أوجهها نصيحة صادقة لجميع الشباب فأقول: يا شباب الإسلام، لن تجدوا السعادة في السفر، ولا في المخدرات والتفحيط، لن تجدوها أو تشموا رائحتها إلا في الالتزام والاستقامة.. في خدمة دين الله.. في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ماذا قدمتم -يا أحبة- للإسلام؟ أين آثاركم؟ أهذه رسالتكم؟
شباب الجيـل للإسلام عــودوا فأنتــم روحـه وبكـم يســود
وأنتــم سرُّ نهضتـه قديــماً وأنتـم فجـره الزّاهـي الجــديدُ
أسأل الله لي ولكم الثبات، وصلى الله على نبينا محمد..
أبو خالد
(6) توبة أشهر عارضة أزياء فرنسية ( )
(فابيان) عارضة الأزياء الفرنسية، فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها، جاءتها لحظة الهداية وهي غارقة في عالم الشهرة والإغراء والضوضاء.. انسحبت في صمت.. تركتْ هذا العالم بما فيه، وذهبتْ إلى أفغانستان لتعمل في تمريض جرحى المجاهدين الأفغان وسط ظروف قاسية وحياة صعبة.
تقول فابيان:
(لولا فضل الله عليّ ورحمته بي لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرد حيوان كل همه إشباع رغباته وغرائزه بلا قيم ولا مبادئ).
ثم تروي قصتها فتقول:
(منذ طفولتي كنت أحلم دائماً بأن أكون ممرضة متطوعة، أعمل على تخفيف الآلام للأطفال المرضى، ومع الأيام كبـرت، ولفتّْ الأنظار بجمالي ورشاقتي، وحرّضني الجميع -بما فيهم أهلي- على التخلي عن حلم طفولتي، واستغلال جمالي في عمل يدرّ عليّ الربح المادي الكثير، والشهرة والأضواء، وكل ما يمكن أن تحلم به أية مراهقة، وتفعل المستحيل من أجل والوصول إليه.
وكان الطريق أمامي سهلاً -أو هكذا بدا لي-، فسرعان ما عرفت طعم الشهرة، وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم باقتنائها.
ولكن كان الثمن غالياُ.. فكان يجب عليّ أولاً أن أتجرد من إنسانيتي، وكان شرط النجاح وتألق أن أفقد حساسيتي وشعوري، وأتخلى عن حيائي الذي تربيت عليه، وأفقد ذكائي، ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي، وإيقاعات الموسيقى، كما كان عليّ أن أحرم من جميع المأكولات اللذيذة وأعيش على الفيتامينات الكيميائية والمقويات والمنشطات، وقبل كل ذلك أن أفقد مشاعري تجاه البشر... لا أكره.. لا أحب... لا أرفض أي شيء.
إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم متحرك مهمته العبث بالقلوب والعقول.. فقد تعلمتُ كيف أكون باردة قاسية مغرورة فارغة من الداخل، لا أكون سوى إطار يرتدي الملابس، فكنتُ بذلك، بل كلما تألّقت العارضة في تجردها من بشيريتها وآدميتها زاد قدرها في هذا العالم البارد... أما إذا خالفت أيّاً من تعاليم الأزياء فتُعرِّض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي والجسماني أيضاً.
وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل أو حياء).
وتواصل (فابيان) حديثها فتقول:
(لم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي المفرغ -إلا من الهواء والقسوة- بمهانة النظرات واحتقارهم لي شخصيّاً واحترامهم لما أرتديه.
كما كنت أسير وأتحرك.. وفي كل إيقاعاتي كانت تصاحبني كلمة (لو).. وقد علمت بعد إسلامي أن لو تفتح عمل الشيطان.. وقد كان ذلك صحيحاً، فكنا نحيا في عالم الرذيلة بكل أبعادها، والويل لمن تعترض عليها وتحاول الاكتفاء بعملها فقط).
وعن تحولها المفاجئ من حياة لاهية عابثة إلى أخرى جادة نقول:
(وكان ذلك أثناء رحلة لنا في بيروت المحطمة، حيث رأيتُ كيف يبني الناس هناك الفنادق والمنازل تحت قسوة المدافع، وشاهدت بعيني انهيار مستشفى للأطفال في بيروت، ولم أكن وحدي، بل كان معي زميلاتي من أصنام البشر وقد اكتفين بالنظر بلا مبالاة كعادتهن.
ولم أتمكن من مجاراتهن في ذلك.. فقد انقشعت عن عيني في تلك اللحظة غُلالة الشهرة والمجد والحياة الزائفة التي كنت أعيشها، واندفعت نحو أشلاء الأطفال في محاولة لإنقاذ من بقي منهم على قيد الحياة.
ولم أعد إلى رفاقي في الفندق حيث تنتظرني الأضواء، وبدأت رحلتي نحو الإنسانية حتى وصلت إلى طريق النور وهو الإسلام.
وتركتُ بيروت وذهبتُ إلى باكستان، وعند الحدود الأفغانية عشت الحياة الحقيقية، وتعلمتُ كيف أكون إنسانة.
وقد مضى على وجودي هنا ثمانية أشهر قمت فيها بالمعاونة في رعاية الأسر التي تعاني من دمار الحروب، وأحببت الحياة معهم، فأحسنوا معاملتي.
وزاد اقتناعي بالإسلام ديناً ودستوراً للحياة من خلال معايشتي له، وحياتي مع الأسر الأفغانية والباكستانية، وأسلوبهم الملتزم في حياتهم اليومية، ثم بدأت في تعلّم اللغة العربية، فهي لغة القرآن، وقد أحرزت في ذلك تقدماً ملموساً.
وبعد أن كنت أستمد نظام حياتي من صانعي الموضة في العالم، أصبحت حياتي تسير تبعاً لمبادئ الإسلام وروحانياته.
وتصل (فابيان) إلى موقف بيوت الأزياء العالمية منها بعد هدايتها، وتؤكد أنها تتعرض لضغوط دنيوية مكثفة، فقد أرسلوا عروضاً بمضاعفة دخلها الشهري إلى ثلاثة أضعافه فرفضت بإصرار.. فما كان منهم إلا أن أرسلوا إليها هدايا ثمينة لعلها تعود عن موقفها وترتد عن الإسلام.
وتمضي قائلة:
(ثم توقفوا عن إغرائي بالرجوع.. ولجئوا إلى محاولة تشويه صورتي أمام الأسر الأفغانية، فقاموا بنشر أغلفة المجلات التي كانت تتصدرها صوري السابقة أثناء عملي كعارضة للأزياء، وعلقوها في الطرقات وكأنهم ينتقمون من توبتي، وحاولوا بذلك، الوقيعة بيني وبني أهلي الجدد، ولكن خاب ظنهم والحمد لله).
وتنظر (فابيان) إلى يديها وتقول:
(لم أكن أتوقع يوماً أن يدي المرفهة التي كنت أقضيها وقتاً طويلاً في المحافظة على نعومتها سأقوم بتعريضها لهذه الأعمال الشاقة وسط الجبال، ولكن هذه المشقة زادت من نصاعة وطهارة يدي، وسيكون لها حسن الجزاء عند الله سبحانه وتعالى إن شاء الله).
(7) توبة شابين في المطار على يد أحد المشايخ ( )
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


