الاثنين، 13 مارس 2023

من سورة الأنعام

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٥٩
من سورة الأنعام 
﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ فَرَّقُوا۟ دِینَهُمۡ وَكَانُوا۟ شِیَعࣰا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِی شَیۡءٍۚ إِنَّمَاۤ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ یُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَفۡعَلُونَ﴾ [الأنعام ١٥٩]

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّي: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وَذَلِكَ أن اليهود وَالنَّصَارَى اخْتَلَفُوا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَتَفَرَّقُوا. فَلَمَّا بَعَثَ [اللَّهُ](١) مُحَمَّدًا ﷺ أَنْزَلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الْآيَةَ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَمْرو السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي لَيْث، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي هَذِهِ الأمَّة ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وَلَيْسُوا مِنْكَ، هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَأَهْلُ الشُّبَهَاتِ، وَأَهْلُ الضَّلَالَةِ، مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ"(٢) .لَكِنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَخْتَلِقْ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّهُ وَهَم فِي رَفْعِهِ. فَإِنَّهُ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ -عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ.وَقَالَ أَبُو غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ] وَكَانُوا شِيَعًا(٣) ﴾ قَالَ: هُمُ الْخَوَارِجُ. وَرُوِي عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَلَا يَصِحُّ.وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْح، عَنْ عُمْرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ](٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قَالَ: "هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ".وَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه، وَهُوَ غَرِيبٌ أَيْضًا(٥) وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فَارَقَ دِينَ اللَّهِ وَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا افْتِرَاقَ، فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: فِرَقًا كَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ -وَهِيَ الْأَهْوَاءُ وَالضَّلَالَاتُ -فَاللَّهُ(٦) قَدْ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] ﴾(٧) الْآيَةَ [الشُّورَى:١٣] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات، دِينُنَا وَاحِدٌ".فَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْمُتَأَخِّرِ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَضَلَالَاتٌ وَجَهَالَاتٌ وَآرَاءٌ وَأَهْوَاءٌ، الرُّسُلُ بُرآء مِنْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ](٨) ﴾ [الْحَجِّ:١٧] ، ثُمَّ بَيَّنَ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حُكْمِهِ وَعَدْلِهِ فَقَالَ:

(١) زيادة من أ.
(٢) تفسير الطبري (١٢/٢٧٠) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٢١) من طريق معلل، عن موسى بن أعين، عن سفيان الثوري، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عنه به، وقال: "لم يروه عن سفيان إلا موسى تفرد به معلل". ورواه الطبري في تفسيره (١٢/٢٧٠) على أبي هريرة موقوفا كما بينه الحافظ ابن كثير.
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من أ.
(٥) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٢٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/١٣٨) من طريق محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد، عن شعبة به، وقال الطبراني: "لم يروه عن شعبة إلا بقية، تفرد به محمد بن مصفى، وهو حديثه".
(٦) في م: "فإنه".
(٧) زيادة من م، أ.
(٨) زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

من سورة الأنعام

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٥٨
من سورة الأنعام 
﴿هَلۡ یَنظُرُونَ إِلَّاۤ أَن تَأۡتِیَهُمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ أَوۡ یَأۡتِیَ رَبُّكَ أَوۡ یَأۡتِیَ بَعۡضُ ءَایَـٰتِ رَبِّكَۗ یَوۡمَ یَأۡتِی بَعۡضُ ءَایَـٰتِ رَبِّكَ لَا یَنفَعُ نَفۡسًا إِیمَـٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِیۤ إِیمَـٰنِهَا خَیۡرࣰاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوۤا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [الأنعام ١٥٨]

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِلْكَافِرِينَ بِهِ، وَالْمُخَالِفِينَ رُسُلَهُ وَالْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِهِ، وَالصَّادِّيْنَ عَنْ سَبِيلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ وَذَلِكَ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ] ﴾(١) الْآيَةَ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَائِنٌ مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبها، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا. فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ(٢) وَمِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي كُتُبِهِمْ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاع بْنِ شُبْرُمَة، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ(٣) عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ(٤) .وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي: فَرَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ، غَيْرَ مَنْسُوبٍ، فَقِيلَ: هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ، وَقِيلَ: إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ(٥) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ(٦) .وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا انْفَرَدَ مسلم بروايته من حديث العلاء ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ(٧) .وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ طُلُوعُ الشَّمْسِ من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيع، عَنْ فُضَيْل بْنِ غَزْوان، عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَعِنْدَهُ: "وَالدُّخَانُ".وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ(٨) .وَرَوَاهُ هُوَ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ(٩) .وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفَرَوي، عَنْ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لِضَعْفِ الفَرْوي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الْآيَةَ(١٠) .وَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ.أَخْرَجَ هَذِهِ الطُّرُقَ كلَّها الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، قُبِل مِنْهُ".لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ(١١) .حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ: فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدُب بْنِ جُنَادة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَدْري أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ؟ ". قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: "إِنَّهَا تَنْتَهِي دُونَ الْعَرْشِ، ثُمَّ تَخِرُّ سَاجِدَةً، ثُمَّ تَقُومُ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي(١٢) فَيُوشِكُ يَا أَبَا ذَرٍّ أَنْ يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، وَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾(١٣) .حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ حُذيفة بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تقوم الساعة حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ: طُلوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَخُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْر عَدَن تَسُوقُ -أَوْ: تَحْشُرُ -النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ(١٤) مِنْ حَدِيثِ فُرَاتٍ القَزَّاز، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعي، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ(١٥) ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا آيَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "تَطُولُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ حَتَّى تَكُونَ قَدْر لَيْلَتَيْنِ، فَبَيْنَمَا الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا، يَعْمَلُونَ(١٦) كَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَبْلَهَا وَالنُّجُومُ لَا تَسْرِي، قَدْ قَامَتْ مَكَانَهَا، ثُمَّ يَرْقُدُونَ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ، ثُمَّ يَرْقُدُونَ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَطُلُّ عَلَيْهِمْ جُنُوبُهُمْ، حَتَّى يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، فَيَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يُصْبِحُونَ، فَبَيْنَمَا هُمْ(١٧) يَنْتَظِرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا إِذْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا، وَلَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ".رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه، وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ(١٨) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -وَاسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ:قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قَالَ: "طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا".وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَرْفَعْهُ(١٩) .وَفِي حَدِيثِ طَالُوتَ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ فَضَال بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيّ بْنِ عَجْلان قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن أوّلَ الْآيَاتِ طلوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا"(٢٠) .وَفِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبَيْش، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّال قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ فَتَحَ بَابًا قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَرْضُهُ سَبْعُونَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ"، قَالَ: "لَا(٢١) يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ(٢٢) .حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى:قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَد، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ لَيْلَةٌ تَعْدِلُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ لَيَالِيكُمْ هَذِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَعْرِفُهَا الْمُتَنَفِّلُونَ، يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَيَقْرَأُ حِزْبَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ حِزْبَهُ، ثُمَّ يَنَامُ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ صَاحَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَيَفْزَعُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَإِذَا هُمْ بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَضَجَّ النَّاسُ ضَجَّةً وَاحِدَةً، حَتَّى إِذَا صَارَتْ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ رَجَعَتْ وَطَلَعَتْ مِنْ مَطْلِعِهَا". قَالَ: "حِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا".هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ(٢٣) وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو(٢٤)قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَة بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: جَلَسَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ فَسَمِعُوهُ يَقُولُ -وَهُوَ يُحَدِّثُ فِي الْآيَاتِ -: إِنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجُ الدَّجَّالِ. قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّفَرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَحَدَّثُوهُ بِالَّذِي سَمِعُوهُ مِنْ مَرْوَانَ فِي الْآيَاتِ، فَقَالَ(٢٥) لَمْ يَقُلْ مَرْوان شَيْئًا قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ ضُحًى، فَأَيَّتُهُمَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا". ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ -: وَأَظُنُّ أَوَّلَهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا كُلَّمَا غَرَبَتْ أَتَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ فَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ فَأُذِنَ لَهَا فِي الرُّجُوعِ، حَتَّى إِذَا بَدَا اللَّهُ أَنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا فَعَلَتْ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ: أَتَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ فَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ، فَلَمْ يُرَدَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ تستأذنُ فِي الرُّجُوعِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا شَيْءٌ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْهَبَ، وَعَرَفَتْ أَنَّهُ إِذَا(٢٦) أَذِنَ لَهَا فِي الرُّجُوعِ لَمْ تُدْرِكِ الْمَشْرِقَ، قَالَتْ: رَبِّي، مَا أَبْعَدَ الْمَشْرِقَ. مَنْ لِي بِالنَّاسِ. حَتَّى إِذَا صَارَ الْأُفُقُ كَأَنَّهُ طَوْقٌ اسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ، فَيُقَالُ لَهَا: مِنْ مَكَانِكِ فَاطْلَعِي. فَطَلَعَتْ عَلَى النَّاسِ مِنْ مَغْرِبِهَا"، ثُمَّ تَلَا عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا] ﴾(٢٧) الْآيَةَ.وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، فِي سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حديث أبي حيان التيمي - وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ -عَنْ أَبِي زُرْعَة بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، بِهِ(٢٨) .حَدِيثٌ آخَرُ عَنْهُ:قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ حَبَّانَ الرَّقِّي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -بْنِ زِبْرِيقٍ الْحِمْصِيُّ -حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي(٢٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا خَرَّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي وَيَجْهَرُ: إِلَهِي، مُرْني أَنْ أَسْجُدَ لِمَنْ شِئْتَ". قَالَ: "فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ زَبَانِيَتُهُ فَيَقُولُونَ: يَا سَيِّدَهُمْ، مَا هَذَا التَّضَرُّعُ؟ فَيَقُولُ: إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِر إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَهَذَا الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ". قَالَ "ثُمَّ تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ صَدْع فِي الصَّفَا". قَالَ: "فَأَوَّلُ خطوة تضعها بأنطاكيا، فَتَأْتِي إِبْلِيسَ فَتَخْطمه(٣٠) ..هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ(٣١) وَلَعَلَّهُ مِنَ الزَّامِلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَصَابَهُمَا(٣٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَأَمَّا رَفْعُهُ فَمُنْكَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ:قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَم بْنِ زُرْعَة، عَنْ شُرَيح بْنِ عُبَيْدٍ يَرُدُّهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ يُخَامر، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِلُ". فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا(٣٣) تَهْجُرُ السَّيِّئَاتِ، وَالْأُخْرَى تُهَاجِرُ(٣٤) إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ مَا تُقِبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ(٣٥) فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ". هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنُ الْإِسْنَادِ(٣٦) وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:قَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ فَقَدْ مَضَى غَيْرَ أَرْبَعٍ: طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالِ، وَدَابَّةِ الْأَرْضِ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: الْآيَةُ الَّتِي تُخْتَمُ بِهَا الْأَعْمَالُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا] ﴾(٣٧) الْآيَةَ كُلَّهَا، يعني طلوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا(٣٨) .حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بن إدريس، عن أبيه، عن وَهْب ابن مُنَبِّه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ](٣٩) مَرْفُوعًا -فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا غَرِيبًا مُنْكَرًا رَفْعُهُ، وَفِيهِ: "أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَطْلُعَانِ يَوْمَئِذٍ مَقْرُونَيْنِ(٤٠) وَإِذَا نَصَفا السَّمَاءَ رَجَعَا ثُمَّ عَادَا إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ". وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا(٤١) بَلْ مُنْكَرٌ، بَلْ مَوْضُوعٌ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ](٤٢) إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، فَأَمَّا وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ -وَهُوَ الْأَشْبَهُ -فَغَيْرُ مَدْفُوعٍ(٤٣) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا](٤٤) قَالَتْ: إِذَا خَرَجَ أَوَّلُ الْآيَاتِ، طُرحت الْأَقْلَامُ، وَحُبِسَتِ الْحَفَظَةُ، وَشَهِدَتِ الْأَجْسَادُ عَلَى الْأَعْمَالِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.فَقَوْلُهُ [عَزَّ وَجَلَّ](٤٥) ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: إِذَا أَنْشَأَ الْكَافِرُ إِيمَانًا يَوْمَئِذٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مُصْلِحًا فِي عَمَلِهِ فَهُوَ بِخَيْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ كَانَ مخَلِّطًا فَأَحْدَثَ تَوْبَةً حِينَئِذٍ(٤٦) لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ تَوْبَتُهُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ(٤٧) الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أَيْ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا كَسْبُ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكَافِرِينَ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِمَنْ سَوَّف بِإِيمَانِهِ وَتَوْبَتِهِ إِلَى وَقْتٍ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحُكْمُ هَذَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، لِاقْتِرَابِ وَقْتِ الْقِيَامَةِ، وَظُهُورِ أَشْرَاطِهَا كَمَا قَالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ:١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ] ﴾(٤٨) [غَافِرَ:٨٤، ٨٥] .

(١) زيادة من م،.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٣٥) ، (٤٦٣٦) .
(٣) في أ: "عن".
(٤) صحيح مسلم برقم (١٥٧) وسنن أبي داود برقم (٤٣١٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٦٨) .
(٥) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/٢٩٧) : "جزم خلف بأنه ابن نصر، وأبو مسعود بأنه ابن منصور، وقول خلف أقوى".
(٦) صحيح مسلم برقم (١٥٧) .
(٧) صحيح مسلم برقم (١٥٧) .
(٨) تفسير الطبري (١٢/٢٦٥) والمسند (٢/٤٤٥) وصحيح مسلم برقم (١٥٨) .
(٩) صحيح مسلم برقم (١٥٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧٢) .
(١٠) تفسير الطبري (١٢/٢٥٥) .
(١١) تفسير الطبري (١٢/٢٥٦) ورواه أحمد في مسنده (٢/٢٧٥) من طريق عبد الرزاق به.
(١٢) في د: "ارفعي".
(١٣) صحيح البخاري برقم (٤٨٠٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٩) .
(١٤) المسند (٤/٧) وصحيح مسلم برقم (٢٩٠١) وسنن أبي داود برقم (٤٣١١) وسنن الترمذي برقم (٢١٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٤١) .
(١٥) في أ: "رسول الله".
(١٦) في أ: "فيعملون".
(١٧) في أ: "هم كذلك".
(١٨) ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة (١/٣١) قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سهل، حدثنا محمد بن يوسف الرازي، حدثنا إدريس بن علي الرازي، حدثنا يحيى بن الضريس، عن سفيان الثوري فذكره".
(١٩) المسند (٣/٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧١) وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/١٧٩) من طريق وكيع، عن ابن أبي ليلى به موقوفا.
(٢٠) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط كما في مجمع الزوائد (٨/٩) وقال الهيثمي: "فيه فضال بن جبير وهو ضعيف، وقد أنكر هذا الحديث".
(٢١) في م: "إن".
(٢٢) سنن الترمذي برقم (٣٥٣٦) وسنن النسائي (١/٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (٤٠٧٠) .
(٢٣) ورواه عبد بن حميد كما في الدر المنثور (٣/٣٩٢) .
(٢٤) في أ: "عمر".
(٢٥) في أ: "فقال عبد الله".
(٢٦) في م: "إن".
(٢٧) زيادة من: م، أ.
(٢٨) صحيح مسلم برقم (٢٩٤١) وسنن أبي داود برقم (٤٣١٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٦٩) .
(٢٩) في أ: "الجبلي".
(٣٠) في أ: "فتلطمه".
(٣١) المعجم الكبير للطبراني برقم (١١١) "القسم المفقود" وقال الهيثمي في المجمع (٨/٨) : "فيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق وهو ضعيف".
(٣٢) في أ: "أصابها".
(٣٣) في أ: "إحديهما".
(٣٤) في م: "يهاجر".
(٣٥) في م: "مغربها".
(٣٦) المسند (١/١٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٥١) : "ورجال أحمد ثقات".
(٣٧) زيادة من أ.
(٣٨) رواه الطبري في تفسيره (١٢/٢٦٠) .
(٣٩) زيادة من أ.
(٤٠) في م، أ: "مقرونين من المغرب".
(٤١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٩٦، ٣٩٧) وقال: إسناده واه.
(٤٢) زيادة من م.
(٤٣) في أ: "مرفوع".
(٤٤) زيادة من أ.
(٤٥) زيادة من أ.
(٤٦) في أ: "يومئذ".
(٤٧) في م: "عليه هذه".
(٤٨) زيادة من: م، أ، وفي هـ: "الآية".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأحد، 12 مارس 2023

من سورة الأنعام

﴿أَن تَقُولُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أُنزِلَ ٱلۡكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَاۤىِٕفَتَیۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَـٰفِلِینَ (١٥٦) أَوۡ تَقُولُوا۟ لَوۡ أَنَّاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا ٱلۡكِتَـٰبُ لَكُنَّاۤ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَاۤءَكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِی ٱلَّذِینَ یَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَایَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡدِفُونَ (١٥٧)﴾ [الأنعام ١٥٦-١٥٧]

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ لِئَلَّا يَقُولُوا: ﴿إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾يَعْنِي: لِيَنْقَطِعَ عُذْرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا(١) رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] ﴾(٢) [الْقَصَصِ:٤٧] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أَيْ: وَمَا كُنَّا نَفْهَمُ مَا يَقُولُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِلِسَانِنَا، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ فِي شُغْلٍ وَغَفْلَةٍ عَمَّا هُمْ فِيهِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أَيْ: وَقَطَعْنَا تَعَلُّلكم أَنْ تَقُولُوا: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فِيمَا أُوتُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا](٣) ﴾ [فَاطِرَ:٤٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ: فَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ قُرْآنٌ عَظِيمٌ، فِيهِ بَيَانٌ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَهُدًى لِمَا فِي الْقُلُوبِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتَفُونَ مَا فِيهِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا اتَّبَعَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَلَا تَرَكَ غَيْرَهُ، بَلْ صَدَفَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: صَرَفَ النَّاسَ وَصَدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ قَالَهُ السُّدِّيُّ.وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَعْرَضَ عَنْهَا.وَقَوْلُ السُّدِّيِّ هَاهُنَا فِيهِ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الْآيَةَ:٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النَّحْلِ:٨٨] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ فِيمَا(٤) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا آمَنُ بِهَا وَلَا عَمِلَ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ:٣٢، ٣١] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِمَالِ الْكَافِرِ عَلَى التَّكْذِيبِ بقلبه، وترك الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، والله [تعالى](٥) أعلم.

(١) في أ: "لقالوا"
(٢) زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".
(٣) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".
(٤) في م: "كما".
(٥) زيادة من م،.

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

السبت، 11 مارس 2023

من سورة الحجرات

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١١
من سورة الحجرات 
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَـٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَـٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [الحجرات ١١]

يَنْهَى تَعَالَى عَنِ السُّخْرِيَةِ بِالنَّاسِ، وَهُوَ احْتِقَارُهُمْ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الكِبْر بَطَرُ الْحَقِّ وغَمْص النَّاسِ" وَيُرْوَى: "وَغَمْطُ النَّاسِ"(١) وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ: احْتِقَارُهُمْ وَاسْتِصْغَارُهُمْ، وَهَذَا حَرَامٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُحْتَقَرُ أَعْظَمَ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ السَّاخِرِ مِنْهُ الْمُحْتَقِرِ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ، فَنَصَّ عَلَى نَهْيِ الرِّجَالِ وَعَطَفَ بِنَهْيِ النِّسَاءِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَلْمِزُوا النَّاسَ. والهمَّاز اللَّماز مِنَ الرِّجَالِ مَذْمُومٌ مَلْعُونٌ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] :(٢) ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الْهُمَزَةِ: ١] ، فَالْهَمْزُ بِالْفِعْلِ وَاللَّمْزُ بِالْقَوْلِ، كَمَا قَالَ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [الْقَلَمِ: ١١] أَيْ: يَحْتَقِرُ النَّاسَ وَيَهْمِزُهُمْ طَاعِنًا عَلَيْهِمْ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَهِيَ: اللَّمْزُ بِالْمَقَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا(٣) .قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ أَيْ: لَا تَتَدَاعَوْا بِالْأَلْقَابِ، وَهِيَ الَّتِي يَسُوءُ الشَّخْصَ سَمَاعُهَا.قَالَ(٤) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَبِيرة(٥) بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دُعِىَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا. فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْب، عَنْ دَاوُدَ، بِهِ(٦) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ أَيْ: بِئْسَ الصِّفَةُ وَالِاسْمُ الْفُسُوقُ وَهُوَ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَنَاعَتُونَ، بَعْدَمَا دَخَلْتُمْ(٧) فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلْتُمُوهُ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾أَيْ: مِنْ هَذَا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

(١) صحيح مسلم برقم (٩١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(٢) زيادة من ت.
(٣) في م: "أي: لا يطعن بعذكم على بعض".
(٤) في ت: "وروى".
(٥) في ت: "عن أبي جبيرة".
(٦) المسند (٤/٢٦٠) وسنن أبي داود برقم (٤٩٦٢) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٢٦٨) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حديث حسن صحيح".
(٧) في ت: "دخلوا".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأربعاء، 8 مارس 2023

من سورة الأنعام

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٥٢
من سورة الأنعام 
﴿وَلَا تَقۡرَبُوا۟ مَالَ ٱلۡیَتِیمِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُوا۟ ٱلۡكَیۡلَ وَٱلۡمِیزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُوا۟ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُوا۟ۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام ١٥٢]

قَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ:١٠] ، فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَسُ لَهُ حتى يأكله وَيَفْسُدُ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ](١) : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٠] ، قَالَ: فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: يَعْنِي: حَتَّى يَحْتَلِمَ.وَقَالَ السُّدِّي: حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ بَعِيدٌ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يَأْمُرُ تَعَالَى بِإِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، كَمَا تَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ:١ -٦] . وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ كَانُوا يَبْخَسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ.وَفِي كِتَابِ الْجَامِعِ لِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ أَبِي عَلِيٍّ الرّحَبي، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ: "إِنَّكُمْ وُلّيتم أَمْرًا هَلَكَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبْلَكُمْ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الحُسين، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا(٢) .قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيك، عَنِ الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكُمْ مَعْشَر الْمَوَالِي قَدْ بَشَّرَكم اللَّهُ بِخَصْلَتَيْنِ بِهَا هَلَكَتِ الْقُرُونُ الْمُتَقَدِّمَةُ: الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ"(٣) .
* * *وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا نُكَلِّفُ(٤) نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ أَيْ: مَنِ اجْتَهَدَ فِي أَدَاءِ الْحَقِّ وَأَخْذِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ وَبَذْلِ جُهْدِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّة، عَنْ مُبَشر(٥) بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مهْران، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ فَقَالَ: "مِنْ أَوْفَى عَلَى يَدِهِ فِي الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ صِحَّةَ نِيَّتِهِ بِالْوَفَاءِ فِيهِمَا، لَمْ يُؤَاخَذْ". وَذَلِكَ تَأْوِيلُ ﴿وُسْعَهَا﴾ هَذَا مرسل غريب(٦) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ] ﴾(٧) [الْمَائِدَةِ:٨] ، وَكَذَا الَّتِي تُشْبِهُهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [الْآيَةِ:١٣٥] ، يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ لِكُلِّ أَحَدٍ، فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ وَبِوَصِيَّة اللَّهِ الَّتِي أَوْصَاكُمْ بِهَا فَأَوْفُوا. وَإِيفَاءُ ذَلِكَ: أَنْ تُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، وَتَعْمَلُوا بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ اللَّهِ.﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا وَصَّاكُمْ بِهِ، وَأَمَرَكُمْ بِهِ، وَأَكَّدَ عَلَيْكُمْ فِيهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: تَتَّعِظُونَ وَتَنْتَهُونَ عَمَّا(٨) كُنْتُمْ فِيهِ قَبْلَ هَذَا، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِتَشْدِيدِ "الذَّالِ"، وَآخَرُونَ بِتَخْفِيفِهَا.

(١) زيادة من أ.
(٢) سنن الترمذي برقم (١٢١٧) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٢٨٨) وابن عدي في الكامل (٢/٣٥٢) من طريق الحسين بن قيس أبي علي الرحبي به.
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٨٥) .
(٤) في أ: "لا يكلف الله".
(٥) في أ: "ميسر".
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٨٤) ولم يعزه لأحد غيره، وفي إسناده مبشر بن عبيد الحمصي. قال أحمد: كان يضع الحديث، وقال البخاري: روى عنه بقية، منكر الحديث.
(٧) زيادة من م، أ.
(٨) في م: "وتنتبهون مما".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأحد، 5 مارس 2023

من سورة الأنعام

 صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٤٨_١٥٠
من سورة الأنعام 
﴿سَیَقُولُ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَاۤ أَشۡرَكۡنَا وَلَاۤ ءَابَاۤؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَیۡءࣲۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمࣲ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَاۤۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ (١٤٨) قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَـٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَاۤءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِینَ (١٤٩) قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَاۤءَكُمُ ٱلَّذِینَ یَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَاۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام ١٤٨-١٥٠]

هَذِهِ مُنَاظَرَةٌ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَشُبْهَةٌ تَشَبَّثَتْ بِهَا الْمُشْرِكُونَ فِي شِرْكِهِمْ وَتَحْرِيمِ ما حرموا؛ فإن الله مُطَّلِعٌ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّحْرِيمِ لِمَا حَرَّمُوهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ بِأَنْ يُلْهِمَنَا الْإِيمَانَ، أَوْ يَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكُفْرِ، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَرِضَاهُ مِنَّا ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى](١) : ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ] ﴾(٢) [الزُّخْرُفِ: ٢٠] ، وَكَذَلِكَ(٣) الَّتِي فِي "النَّحْلِ" مِثْلُ هَذِهِ سَوَاءٌ(٤) قَالَ(٥) اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ ضَلَّ مَنْ ضَلَّ قَبْلَ هَؤُلَاءِ. وَهِيَ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمَا أَذَاقَهُمُ اللَّهُ بَأْسَهُ، وَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ، وَأَدَالَ عَلَيْهِمْ رُسُلَهُ الْكِرَامَ، وَأَذَاقَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَلِيمِ الِانْتِقَامِ.﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَيْ: بِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى](٦) رَاضٍ عَنْكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: فَتُظْهِرُوهُ لَنَا وَتُبَيِّنُوهُ وَتُبْرِزُوهُ، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ أَيِ: الْوَهْمَ وَالْخَيَالَ. وَالْمُرَادُ بِالظَّنِّ هَاهُنَا: الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ أَيْ: تَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِيمَا ادَّعَيْتُمُوهُ.قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا](٧) : ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وَقَالَ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٧] ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عِبَادَتُنَا الْآلِهَةَ تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهَا لَا تُقَرِّبُهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾(٨) ، يَقُولُ تَعَالَى: لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ.
* * *وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يَقُولُ [تَعَالَى](٩) لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ -يَا مُحَمَّدُ: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أَيْ: لَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فِي هِدَايَةِ مَنْ هَدى، وَإِضْلَالِ مَنْ أَضَلَّ، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وَكُلُّ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْضَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ويُبْغض الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ [كُلُّهُمْ جَمِيعًا] ﴾(١٠) [يُونُسَ: ٩٩] ، وَقَوْلُهُ(١١) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] .قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَصَى اللَّهَ، وَلَكِنْ لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى عِبَادِهِ.
* * *وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ أَيْ: أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي حَرَّمْتُمُوهُ وَكَذَبْتُمْ وَافْتَرَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ فِيهِ، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَشْهَدُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَذِبًا وَزُورًا، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾أَيْ: يُشْرِكُونَ بِهِ، وَيَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا.

(١) زيادة من م، أ.
(٢) زيادة من م، أ.
(٣) في أ: "وكذا".
(٤) الآية: ٣٥ وهي قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عبدنا من دونه من شيء) .
(٥) في م: "وقال".
(٦) زيادة من م.
(٧) زيادة من أ.
(٨) في أ: "أشركنا" وهو خطأ، والصواب: "أشركوا" الآية: ١٠٧ من سورة الأنعام.
(٩) زيادة من م.
(١٠) زيادة من م، أ.
(١١) في م: "وقال تعالى".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأربعاء، 1 مارس 2023

من سورة النور

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٦١
من سورة النور 
﴿لَّیۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِیضِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُوا۟ مِنۢ بُیُوتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ ءَابَاۤىِٕكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ إِخۡوَ ٰ⁠نِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخَوَ ٰ⁠تِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَعۡمَـٰمِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخۡوَ ٰ⁠لِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥۤ أَوۡ صَدِیقِكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُوا۟ جَمِیعًا أَوۡ أَشۡتَاتࣰاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُیُوتࣰا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ تَحِیَّةࣰ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةࣰ طَیِّبَةࣰۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [النور ٦١]

اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ -فِي الْمَعْنَى الَّذِي رَفَعَ مِنْ أَجْلِهِ الْحَرَجَ عَنِ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ هَاهُنَا، فَقَالَ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ.وَجَعَلُوا هَذِهِ الْآيَةَ هَاهُنَا كَالَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ(١) وَتِلْكَ فِي الْجِهَادِ لَا مَحَالَةَ، أَيْ: أَنَّهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ؛ لِضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التَّوْبَةِ:٩١، ٩٢] .وَقِيلَ: الْمُرَادُ [هَاهُنَا](٢) أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الْأَكْلِ مَعَ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الطَّعَامَ وَمَا فِيهِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَرُبَّمَا سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَى ذَلِكَ. وَلَا مَعَ الْأَعْرَجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْجُلُوسِ، فَيَفْتَاتُ عَلَيْهِ جليسُه، وَالْمَرِيضُ لَا يَسْتَوْفِي مِنَ الطَّعَامِ كَغَيْرِهِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُؤَاكِلُوهُمْ لِئَلَّا يَظْلِمُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ رُخْصَةً فِي ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومِقْسَم.وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانُوا قَبْلَ الْمَبْعَثِ يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الْأَكْلِ مَعَ هَؤُلَاءِ تَقَذُّرًا وتَقَزُّزًا، وَلِئَلَّا يَتَفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ الْآيَةَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِالْأَعْمَى أَوِ الْأَعْرَجِ أَوِ الْمَرِيضِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أَخِيهِ، أَوْ بَيْتِ أُخْتِهِ، أَوْ بَيْتِ عَمَّتِهِ، أَوْ بَيْتِ خَالَتِهِ. فَكَانَ الزَّمنى يَتَحَرَّجُونَ(٣) مِنْ ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَذْهَبُونَ بِنَا إِلَى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ(٤) . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً لَهُمْ(٥) .وَقَالَ السُّدّي: كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ أَبِيهِ، أَوْ أَخِيهِ أَوِ ابْنِهِ، فتُتْحفه الْمَرْأَةُ بِالشَّيْءِ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَبَّ الْبَيْتِ لَيْسَ ثَمّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ .
* * *وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ، إِنَّمَا ذَكَر هَذَا -وَهُوَ مَعْلُومٌ -ليعطفَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فِي اللفظ، وليستأديه(٦) مَا بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ. وَتَضَمَّنَ هَذَا بُيُوتَ الْأَبْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِمْ. وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذَا مِنْ ذَهَبَ إِلَى أنَّ مَالَ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ مَالِ أَبِيهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ"(٧)
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ، هَذَا ظَاهِرٌ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُوجِبُ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ [الْإِمَامِ](٨) أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بن حنبل، في المشهور عنهما.وَأَمَا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، والسُّدِّي: هُوَ خَادِمُ الرَّجُلِ مِنْ عَبْدٍ وقَهْرَمان، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا اسْتَوْدَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ بِالْمَعْرُوفِ.وَقَالَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرْغَبُونَ فِي النَّفِيرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَدْفَعُونَ مُفَاتِحَهُمْ إِلَى ضُمَنائهم، وَيَقُولُونَ: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مَا احْتَجْتُمْ إِلَيْهِ. فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ؛ إِنَّهُمْ أَذِنُوا لَنَا عَنْ غَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أُمَنَاءُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أَيْ: بُيُوتِ أَصْدِقَائِكُمْ وَأَصْحَابِكُمْ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي الْأَكْلِ مِنْهَا، إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ.وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَ صَدِيقِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ. فَكَفَّ الناسُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى﴾(٩) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾(١٠) ، وَكَانُوا أَيْضًا يَأْنَفُونَ وَيَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ وَحْدَهُ، حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ .وَقَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، يَرَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مَخْزَاةً عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرجلُ لَيَسوقُ الذُّودَ الحُفَّل وَهُوَ جَائِعٌ، حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُؤَاكِلُهُ وَيُشَارِبُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ .فَهَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، وَمَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلَ وَأَبَرَكَ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ وَحْشيّ بْنِ حَرْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا نأكلُ وَلَا نشبَع. قَالَ: "فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ، اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبَاركْ لَكُمْ فِيهِ".وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، بِهِ(١١)وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرّقُوا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ".(١٢)
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قَالَ سعيد بن جبير، والحسن البصري، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ: فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ: سمعتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِذَا دخلتَ عَلَى أَهْلِكَ، فسَلِّمْ عَلَيْهِمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً. قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ إِلَّا يُوجِبُهُ.قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي زِيَادٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا دخلَ أَحَدُكُمْ بَيْتَهُ، فَلْيُسَلِّمْ.قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ إِذَا خَرَجْتُ ثُمَّ دَخَلْتُ أَنْ أسلِّم عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: لَا وَلَا آثِرُ وُجُوبَهُ عَنْ أَحَدٍ، وَلَكِنْ هُوَ أحبُّ إِلَيَّ، وَمَا أَدَعُهُ إلا نابيًا(١٣)وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. وَإِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فسلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.وَرَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: إِذَا دَخَلْتَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.وَقَالَ قَتَادَةُ: [إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ](١٤) فَإِنَّهُ كَانَ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ، وحُدّثنا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَوْبَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ(١٥) ﷺ بِخَمْسِ خِصَالٍ، قَالَ: "يَا أَنَسُ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ يُزَد فِي عُمْرِكَ، وسَلّم عَلَى مَنْ لَقِيَكَ مِنْ أُمَّتِي تكْثُر حَسَنَاتُكَ، وَإِذَا دَخَلْتَ -يَعْنِي: بَيْتَكَ -فَسَلِّمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وَصَلِّ صَلَاةَ الضُّحى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ قَبْلَكَ. يَا أَنَسُ، ارْحَمِ الصَّغِيرَ، ووقِّر الْكَبِيرَ، تَكُنْ مِنْ رُفَقَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".(١٦)
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قَالَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ التشهدَ إِلَّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ، فَالتَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ.هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ.وَالَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخَالِفُ هَذَا(١٧) ، والله أعلم.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا فِي السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ وَالشَّرَائِعِ الْمُتْقَنَةِ الْمُبْرَمَةِ، نَبَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ يُبَيّن لِعِبَادِهِ الْآيَاتِ بَيَانًا شَافِيًا، لِيَتَدَبَّرُوهَا وَيَتَعَقَّلُوهَا.

(١) عند الآية: ١٧.
(٢) زيادة من أ.
(٣) في أ: "يحرجون".
(٤) في أ: "عشيرتهم".
(٥) تفسير عبد الرزاق (٢/٥٣) .
(٦) في أ: "ولا يساوي".
(٧) المسند (٢/١٧٩) وسنن أبي داود برقم (٣٥٣٠) وسنن ابن ماجه برقم (٢٢٩٢) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ الله عنهما.
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) بعدها في ف، أ: "ولا على الأعرج حرج".
(١٠) قبلها في ف، أ: "أو ما ملكتم مفاتحه".
(١١) المسند (٣/٥٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٤) وسنن ابن ماجه برقم (٣٢٨٦) .
(١٢) سنن ابن ماجه برقم (٣٢٨٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٧٧) : "هذا إسناد ضعيف".
(١٣) في ف، أ: "ناسيا".
(١٤) زيادة من ف، أ.
(١٥) في ف: "رسول الله".
(١٦) ورواه ابن عدي في الكامل (٥/٣٨٢) من طريق موسى عن عويد بن أبي عمران الجوني، به. ونقل عن البخاري: "عويد بن أبي عمران عن أبيه منكر الحديث" ثم قال ابن عدي: "وعويد يبن على حديثه الضعف".
(١٧) صحيح مسلم برقم (٤٠٣) ولفظه: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدا رسول الله".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))